هل يصمد النظام الإيراني؟....

تاريخ الإضافة الجمعة 7 تشرين الأول 2022 - 2:41 م    عدد الزيارات 221    التعليقات 0

        

هل يصمد النظام الإيراني؟....

مركز كارنيغي... مايكل يونغ

يناقش علي فتح الله نجاد الاحتجاجات التي اندلعت مؤخرًا في إيران، والآفاق الطويلة الأمد للنظام السياسي في مرحلة ما بعد الثورة.

علي فتح الله نجاد خبير إيراني ألماني في العلوم السياسية، تركّز أعماله على إيران والشرق الأوسط والنظام العالمي بعد الأحادية القطبية. هو زميل حائز على منحة ماكلوي للاتجاهات العالمية في المجلس الأميركي حول ألمانيا، حيث يبحث كيف يمكن للسياسة الخارجية عبر الأطلسي تجاه الدول السلطوية التوفيق بين مصالحها وقيمها.

فتح الله نجاد زميل مشارك أيضًا في معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث يصدر له موجز شهري بعنوان Iran in Focus (التركيز على إيران). هو مؤلّف كتاب صدر في العام 2021 ونال استحسانًا كبيرًا بعنوان Iran in an Emerging New World Order: From Ahmadinejad to Rouhani (إيران في ظل نظام عالمي جديد ناشئ: من أحمدي نجاد إلى روحاني). فتح الله نجاد حائز على دكتوراه من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن، وهو فاز بزمالة أبحاث ما بعد الدكتوراه من مشروع إيران في كلية كينيدي في جامعة هارفرد. أجرت "ديوان" مقابلة معه في أواخر أيلول/سبتمبر لمناقشة الاحتجاجات التي أشعلت في إيران عقب مقتل مهسا أميني.

مايكل يونغ: تُعتبر الاحتجاجات التي اندلعت في إيران مؤخرًا الأحدث ضمن سلسلة احتجاجات شهدتها البلاد خلال الأشهر والسنوات الماضية. ماذا تخبرنا هذه الأحداث عن حالة النظام الإيراني وقدرته على الصمود؟

علي فتح الله نجاد: تتعرّض الجمهورية الإسلامية الإيرانية على مدى السنوات الخمس الأخيرة إلى تسونامي من الاحتجاجات، بما في ذلك انتفاضات مناهضة للنظام في جميع أنحاء البلاد وآلاف الاحتجاجات الاجتماعية. ويظهر ذلك مدى الاستياء المتنامي والواسع النطاق من النظام وعجز الدولة المتواصل عن تلبية حاجات شعبها الأساسية، ما أسفر عن حالة انعدام استقرار دائمة بسبب الاحتجاجات الشعبية المتكررة وحملات القمع العنيفة لها. إذًا، لم يتعرّض استقرار النظام للخطر وحسب، بل تزعزت أيضًا قدرته على الصمود، وأدركت المنظومة السياسية والأمنية بأن التهديد الرئيس يتأتى من داخل البلاد وليس من خارجها.

تمّ التوصل إلى هذا الإدراك عقب الاحتجاجات التي اجتاجت البلاد من أواخر العام 2017 إلى مطلع العام 2018، وأثارت صدمة في أوساط النخب، وشكّلت احتجاجات تشرين الثاني/نوفمبر 2019 استمرارًا لها بحكم الأمر الواقع. وفي الحالتَين، نزلت الطبقات الدنيا للمرة الأولى إلى الشارع بأعداد كبيرة. الجدير بالذكر أن الإيرانيين من هذه الطبقات يمثّلون تقليديًا قاعدة النظام الاجتماعية أو هم على الأقل موالون له. وبلغ عدد المشاركين في احتجاجات 2017-2018 حوالى 50,000 شخص، فيما نزل إلى الشارع 200,000 شخص في احتجاجات العام 2019، وفق أرقام وزارة الداخلية. وقد اندلعت هاتَين الانتفاضتَين في الدرجة الأولى نتيجة تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، لكن سرعان ما ارتدت طابعًا سياسيًا. واستهدفت الشعارات المكوّنات الدينية والعسكرية للجمهورية الإسلامية، أي رجال الدين والحرس الثوري الإسلامي، وكذلك المنظومة بجناحَيها المتشدّد والإصلاحي، وانتشرت المظاهرات كالنار في الهشيم في جميع أنحاء البلاد، لتشمل حوالى 100 مدينة وبلدة.

جادلتُ بأن هذه الانتفاضات تعبّر عن نسخة إيرانية من "عملية ثورية طويلة الأمد"، وتشبه إلى حدٍّ كبير ما شهدناه في العالم العربي وأُطلق عليه اسم انتفاضات الربيع العربي وموجاتها المستمرة. وبالمثل، كان الدافع الأساسي وراءها مزيجًا من المعاناة الاجتماعية والاقتصادية والسلطوية السياسية، فضلًا عن عدم استعداد الحكّام لإجراء أي إصلاحات.

علاوةً على ذلك، شهدنا خلال السنوات القليلة الماضية آلاف الاحتجاجات التي ضمّت فئات اجتماعية متنوعة. وبحسب مشروع بيانات مواقع وأحداث الصراعات المسلّحة (الذي لا يشمل مصادر إيرانية)، نُظّم 4,000 احتجاج في العام 2021 وحده - وهو رقم قياسي لم يسجّل منذ العام 2016 - وأكثر من 2,200 احتجاج خلال النصف الأول من العام 2022. وتُعتبر هذه الأرقام مؤشرًا على الاستياء العارم من الظروف في إيران. ويتمثّل الدافع وراء اندلاع هذه الاحتجاجات في ما أسميته "الأزمة الثلاثية" للجمهورية الإسلامية التي تطال المستويات الاجتماعية-الاقتصادية والسياسية والبيئية، مع العلم بأن الأزمة السياسية تشكّل مركز الثقل فيها. ففي نهاية المطاف، تحتكر الأوليغارشية الحاكمة في إيران السلطة السياسية والاقتصادية على السواء، فيما تكاد تنعدم قدرة البلاد على تجاوز أزماتها المتعددة من دون حدوث تغيير سياسي.

أدّى هذا الوضع إلى تزايد وتيرة الاحتجاجات، بدءًا من المظاهرة الطلابية في العام 1999، ومرورًا بالحركة الخضراء في العام 2009، واحتجاجات 2017-2018 و2019، ووصولًا إلى ما نشهده راهنًا. وفيما لم تضمّ احتجاجات 2017-2018 و2019 أعدادًا مهمة من الطبقة الوسطى، نشهد اليوم تمثيل أوسع تركيبة اجتماعية في أي انتفاضة حتى الآن، إذ تتصدّر النساء والشباب صفوفها الأولى، مُبدين شجاعة وعزيمة كبيرَين، لأن مقتل مهسا أميني ضرب على وترٍ حسّاس في أوساط الطبقتَين الوسطى والدنيا على السواء، وترافق مع تضامن ملحوظ بين مختلف الإثنيات ومشاركة قوية لطلاب الجامعات، فضلًا عن انضمام العمّال والمشاهير إليهم. أصبحت هذه الاحتجاجات بحق ثورة وطنية تطرح تهديدًا جدّيًا للنظام، ما يفسّر وحشية ردود فعله.

خلال الانتفاضتَين الأخيرتَين على صعيد البلاد، لم يكن ثمة تحالف بين القطاعات. أما الآن فهذا التحالف موجود، وكان لإفقار الطبقة الوسطى (الأعداد المتزايدة لـ"فقراء الطبقة الوسطى") في الأعوام الأخيرة دورٌ أيضًا في تسهيل هذه العملية. لم تعد الطبقة الوسطى تعتبر أن تحقيق الاستقرار بأيّ ثمن يخدم بالضرورة مصالحها، إذ تواجه بطالة مرتفعة، ولا سيما في صفوف النساء والخرّيجين والشباب. نتيجةً لذلك، أصبحت قضيّتا "الرغيف" و"الحرية" مترابطتَين على نحوٍ وثيق.

يونغ: في مقال نُشِر مؤخرًا، نُقِل عن الباحث في مؤسسة كارنيغي كريم سجادبور قوله إن للجمهورية الإسلامية الإيرانية ثلاث ركائز إيديولوجية متبقّية – الموت لإسرائيل، والموت لأميركا، والحجاب. هل توافقه الرأي، وفي هذه الحالة، ماذا نستشفّ من ذلك في ما يتعلق بالركائز الدينية-الثقافية للنظام، إنما أيضًا هشاشته؟

فتح الله نجاد: إنه على صواب في ملاحظته، كالعادة، إذ لا يمكن تخيّل الجمهورية الإسلامية من دون هذه الركائز الأساسية. لكن بهدف تأمين استمرارية النظام، قد تعمد إيران بعد خامنئي إلى تخفيف بعض القيود الدينية-الثقافية التي تتعارض مع مشاعر الجماهير العامة، والتكيّف مع مجتمع يزداد علمانيةً، واستيعاب الرفض الشعبي الواسع للدين المسيَّس والأئمة الحاكمين.

يونغ: كيف تقارن دورة الاحتجاجات التي تشهدها إيران اليوم بالاحتجاجات التي اندلعت ضد الشاه محمد رضا بهلوي في أواخر سبعينيات القرن العشرين؟ آنذاك، علِقت السلطات في دورة احتجاجات عجزت عن الخروج منها، إلى أن لاذ الشاه بالفرار. كيف تختلف هذه الاحتجاجات في ظل الجمهورية الإسلامية، بحيث قد تقود إلى نتائج مختلفة؟

فتح الله نجاد: في سبعينيات القرن العشرين، كان التيّار الثوري في إيران تعدّديًا وموحَّدًا في معارضته للشاه. ومن العوامل المهمة أيضًا في إطاحة الشاه أن داعميه الخارجيين قد تخلّوا عنه. ولكن الفارق الأساسي بين المرحلة الراهنة وتلك المرحلة قد يكمن في مستوى الوعي العام. اليوم، فتح الإنترنت، على الرغم من جوانبه السلبية، آفاقًا يمكن استخدامها لجعل الرأي العام أكثر اطّلاعًا. لكن الفارق الأبرز هو استعداد النظام الحالي للجوء إلى العنف الهمجي من أجل الاحتفاظ بالسلطة، على الرغم من جميع المعوّقات، بشكلٍ يتخطى بأشواط همجيةَ نظام الشاه في أيام احتضاره.

لكن الأمل الأكبر هو في أن إيرانيين كثرًا يدركون اليوم أهمية حقوق الإنسان، ولا سيما نتيجة الانتهاكات غير المسبوقة لهذه الحقوق خلال حكم الجمهورية الإسلامية على امتداد أربعة عقود. ويبرز الآن أيضًا إدراكٌ لأهمية المرأة. على النقيض، قد تكون الشائبة الأهم في الحركة الثورية قبل العام 1979 سيطرة ذهنيةٍ تبسيطية مناهضة للإمبريالية وللولايات المتحدة الأميركية همّشت فعليًا أي اهتمام بحقوق الإنسان أو بحقوق المرأة والديمقراطية.

يونغ: تكثر التكهنات بشأن مَن سيخلف آية الله علي خامنئي الذي تردّت حالته الصحية في الآونة الأخيرة. هل وُضِعت خطة لخلافته برأيك، وأي دور يمكن أن تؤدّيه الاحتجاجات التي تشهدها البلاد في هذا الصدد؟

فتح الله نجاد: ثمة نقاط كثيرة لا تزال غامضة حتى الآن، وتتعلق بالقوى الداخلية وموقف الداعمين الخارجيين. لكن يمكننا أن نفترض أن الحرس الثوري الإسلامي يفعل كل ما بوسعه للإبقاء على "سيطرته الكاملة" في إيران بعد خامنئي، وسوف يسعى إلى تحقيق ذلك من خلال تعيين خلفٍ ضعيف في موقع المرشد الأعلى الذي لن يتمتع بعد الآن بصلاحيات استثنائية كتلك التي استحوذ عليها خامنئي. من الممكن تمامًا أن تتراجع سلطة رجال الدين الشيعة، ما قد يؤدّي إلى منظومةٍ تصبح فيها القومية الإيرانية الإيديولوجيا الرئيسة، متفوِّقةً على القومية الشيعية وعلى النزعة الإسلاموية. ولكنْ ثمة انقسامٌ أيضًا داخل الحرس الثوري الإسلامي بين ذوي الميول الشيعية وذوي الميول العلمانية. باختصار، قد تتحول إيران إلى دكتاتورية عسكرية بحكم الأمر الواقع، بحيث يميل الخليط الإيديولوجي الحالي بين النزعة الإسلامية والنزعة القومية لمصلحة الثانية. علاوةً على ذلك، سيكون تموضع الداعمين الخارجيين الأساسيين لطهران، وعلى رأسهم روسيا، عاملًا مهمًا.

هذا فضلًا عن أن إيران بعد خامنئي قد تكون أكثر تساهلًا حيال القيود الاجتماعية، على غرار ما يجري في السعودية في ظل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. لكن ذلك لا يعني أن المعارضة الشعبية للنظام المعدَّل ستكون أقل قوةً، فقد بات الإيرانيون يدركون أن الأئمة والحرس الثوري الإسلامي متساويان في الشر. بعبارة أخرى، قد تستمر "العملية الثورية الطويلة الأمد" في إيران بعد خامنئي.

...Fenced In: Stabilising the Georgia-South Ossetia Separation Line....

 الأربعاء 7 كانون الأول 2022 - 7:52 ص

...Fenced In: Stabilising the Georgia-South Ossetia Separation Line.... Russia’s war on Ukraine h… تتمة »

عدد الزيارات: 110,913,513

عدد الزوار: 3,752,545

المتواجدون الآن: 81