ورقة عمل رئاسة الحكومة

حول رؤية لإنماء المناطق اللبنانية

تاريخ الإضافة الجمعة 29 أيار 2009 - 6:57 ص    عدد الزيارات 3287    التعليقات 0    القسم محلية

        


وزّعت رئاسة الحكومة ورقة العمل التي قدمها الرئيس فؤاد السنيورة حول رؤية لإنماء المناطق اللبنانية، وجاءت الورقة على الشكل التالي:

· ملخص تنفيذي
يواجه لبنان مجموعة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية على المديين القصير والمتوسط، ولكنه في المقابل يتمتع بإمكانية جيدة لاغتنام مجموعة من الفرص تُمكنه، اذا عمل بجد وتنسيق بين مؤسساته العامة من جهة ومع القطاع الخاص من جهة أخرى، من الافادة منها، بحيث أن الأداء الجيد للبنان على هذا الصعيد يمكنه من تحقيق قفزة نوعية على صعيد التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مناطقه كافة. كذلك فإن هذا يمكنه من تحقيق معدلات جيدة من النمو المستدام من جهة أولى ومن التعامل مع التحديات القائمة والمستجدة التي يواجهها بكفاءة مقبولة من جهة ثانية سيما وان، طبيعة هذه التحديات ومجالات اغتنام هذه الفرص تفرض على لبنان ضرورة احترام ضوابط  محددة وتؤكد على الالتزام بالسير على مسارات معينة في ما خصّ العمل الاقتصادي والإنمائي والاجتماعي بما يؤمن أيضاً تأمين استمرار الاستقرار المالي والنقدي وبالتالي تعزيز الاستقرار الاجتماعي في المرحلة المقبلة.

أولاً: التحديات

تتمثل أهم التحديات الاقتصادية التي يواجهها لبنان بثلاث مجموعات أساسية يمكن تلخيصها على الشكل التالي:

1- مسألة العجز في المالية العامة والحجم الكبير للدين العام: يشكل العجز المزمن والكبير في الموازنة العامة وحجم ونسبة الدين العام المرتفع للناتج المحلي الإجمالي العوامل الأكثر ضغطاً على الاقتصاد الوطني وعلى المالية العامة. وقد أسهم عمل الحكومة على مدى السنوات الأخيرة، وخاصة في العامين 2007 و2008 وعلى الرغم من الظروف البالغة الصعوبة على أكثر من صعيد سياسي وأمني في احتواء مستوى العجز من جهة، وتوفير ظروف تحقيق النمو الاقتصادي بمعدلات غير مسبوقة من جهة أخرى. ذلك ما ساهم بخفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي إلى حدود الـ162% في نهاية العام 2008 وذلك من مستوى 178% في العام 2006. وعلى ذلك فإنّ المحافظة على نسبة مرتفعة من النمو وبحيث تظل نسب التضخم ملجومة، مع الاستمرار في احتواء أو تخفيض مستوى العجز في الموازنة كما والتقدم على مسار تخفيض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي تشكل تحديات كبرى أمام لبنان في المرحلة القادمة. وهي لذلك تستمر في كونها أولويات مطلقة للسياسات الاقتصادية والمالية على الصعيد الماكرو اقتصادي التي ينبغي التنبه لها والعمل على معالجتها من خلال سياسات متناسقة وهادفة.

2- مسألة تداعيات الازمة المالية العالمية: تشكل الظروف الاقتصادية الخارجية الدقيقة والخطيرة المتمثلة بالأزمة المالية والاقتصادية العالمية واحتمال انعكاس تداعياتها السلبية على لبنان، حوافز مستجدة وطارئة تستوجب الإسراع والمبادرة إلى تحفيز النمو والالتزام بتنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري والاجتماعي والبيئي ولاسيما فيما يتعلق بالبنود التي أقرت في مؤتمر باريس-3 والعمل على توجيه اهتمام المواطنين إلى اهمية تركيز الجهود والطاقات على ما هو مفيد للبنانيين في حاضرهم وفي غدهم بدلاً من الاستمرار في حالة المراوحة والتلكؤ.

وفي هذا السياق فقد قدمت رئاسة مجلس الوزراء في كانون الثاني 2009 مذكرة طرحت فيها رؤيتها لمواجهة الانعكاسات الاقتصادية المحتملة للأزمة المالية العالمية عبر خطوات استباقية تعتزم الحكومة تنفيذها على مدى العامين 2009 و2010. ومن أبرز تلك الخطوات العملية المبادرة إلى ”تسريع وتيرة تنفيذ المشاريع الاستثمارية في البنى التحتية التي تقوم بها الدولة في مجالات الطاقة والطرق والمياه والبيئة وغيرها، ولاسيما تلك الممولة في معظمها من خلال القروض الميسرة والطويلة المدى التي لا يشكل التمويل المطلوب لها عبئاً إضافياً عالي الكلفة على كاهل الخزينة المثقل بعبء وأكلاف خدمة الدين العام“.

إلى جانب ذلك، فقد اقترحت رئاسة مجلس الوزراء في تلك المذكرة أن تترافق هذه الخطوات، بإجراءات إضافية ”تزيد من قدرة الاقتصاد الوطني على استيعاب الاستثمارات العامة واستثمارات القطاع الخاص، ضمن رؤية إنمائية متكاملة ومتناسقة، تسهم في تطبيق مبدأ الإنماء المتوازن بمعانيه الاقتصادية والاجتماعية، والتي تتكامل مع مبدأ تعميم المساواة في توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية وكذلك على صعيد البنى التحتية الضرورية“.

3- مسألة التفاوت في اوضاع المناطق اللبنانية وضرورة تنميتها اقتصاديا واجتماعيا وخدماتيا وبيئيا: لقد شكل التفاوت المناطقي في مستوى التنمية بكافة ابعادها (الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية...الخ)، إحدى السمات والمفارقات المعيقة لتطور الاقتصاد اللبناني وكذلك لتطور وتحسن الأوضاع الاجتماعية والمعيشية لهذه المناطق والقاطنين فيها منذ ما قبل الاستقلال وحتى الوقت الراهن بالقدر المطلوب. وفي هذا المجال فإن أكثر ما يثير الاهتمام في هذه المرحلة يكمن في ضرورة إعطاء أولوية إضافية للإقدار الاقتصادي المناطقي ولاسيما فيما يتعلق بإيجاد فرص العمل الجديدة على الشؤون الأخرى كمواضيع الخدمات العامة والشؤون الاجتماعية دون التقليل من الأهمية الكبيرة لهذه الأخيرة، وذلك كما تشير إليه نتائج التقارير الصادرة مؤخرا (2009) عن وزارة الشؤون الاجتماعية والبرنامج الانمائي للأمم المتحدة والتي تبين أن حوالي 50% من الأسر اللبنانية تعاني من نسبة منخفضة من الإشباع في الميدان الاقتصادي.

ثانياً: الفرص
من جهة اخرى، تتمثل أهم الفرص المتاحة من أمام الاقتصاد اللبناني في المرحلة القادمة بالأمور التالية:

1- استمرار الدور الإيجابي الذي تلعبه الميزات التفاضلية الاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية التي لطالما تمتّع بها لبنان واللبنانيون والاقتصاد اللبناني على مدى العقود الماضية والتي شكّلت العوامل الأساسية التي مكنت الاقتصاد اللبناني من تحقيق معدلات جيدة من النمو الاقتصادي عندما يتاح له ذلك ومن تعزيز مرونته وحيويته ومناعته وقدرته على الخروج من المآزق أو الصدمات الداخلية والخارجية التي تعرّض أو قد يتعرض لها.

2- عدم تعرض المصارف اللبنانية والقطاع الخاص اللبناني لخسائر مالية مباشرة تذكر ناتجة عن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية ونجاح لبنان في تفاديها، وهي النتيجة الإيجابية التي أسهمت فيها السياسات المالية والنقدية والمصرفية الرصينة والمنسقة التي اتبعت، وأدت بالتالي إلى بروز لبنان على الصعيدين العربي والعالمي كملاذ آمن ممكن للاستثمار في كل من قطاعه المالي وكذلك في اقتصاده الحقيقي.

3- توفر تمويل خارجي هام ميسر في قسم كبير منه بما يتيح للبنان إطلاق دُفعة جديدة من الاستثمارات العامة تهدف إلى تعزيز وتطوير بناه التحتية وتحسين نوعية ومستوى الخدمات العامة والعمل على تحقيق قدر أفضل من المساواة بين المناطق. كذلك أيضاً  توفر تمويل خارجي وآخر داخلي ميسر بما يحفز استثمارات القطاع الخاص في أكثر من مجال اقتصادي وفي كل المناطق اللبنانية.

        ترسم هذه التحديات الثلاث والمتمثلة بأوضاع المالية العامة وتداعيات الازمة المالية العالمية وأوضاع المناطق الاقتصادية والاجتماعية التي هي بحاجة ماسة إلى إطلاق مشاريع التنمية فيها، مسائل أساسية تتعلق بضرورة ضبط وترشيد الانفاق العام وتحسين مردوديته الإنتاجية من جهة، وضرورة خلق الظروف الملائمة لتحقيق النمو المستدام والإنماء المتوازن من جهة اخرى. في المقابل، تؤمن الفرص المتاحة غطاءً ومجالاً حيوياً للعمل الاقتصادي والإنمائي في المرحلة المقبلة. على هذا، تطرح هذه الرؤية مسارا يراعي الضوابط ويحقق الاهداف، بشكلٍ متوازن يمكّن لبنان من التحرّك بحكمة وكفاءة مغتنماً الفرص ومتجنباً للمنزلقات والصدمات ومعالجاً للتحديات. ويتمثل هذا التحرك بضرورة وحتمية الشراكة الجديدة والخلاقة بين القطاعين العام والخاص في حمل لواء ومسؤولية الانماء المناطقي المتوازن وبما يحقق نسباً مرتفعةً من النمو المستدام. بناء على ما تقدم تعتبر هذه الرؤية أن التنمية المناطقية تشكل مفتاحاً هاماً لإيجاد حلول تساهم في معالجة أو مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها الوطن وتشكل مسارات للتقدم على طريق المستقبل.

        وتعتمد اسس هذه الشراكة على اقدار المناطق اقتصاديا ولاسيما من خلال إيجاد فرص العمل الجديدة وبالتالي مكافحة الفقر وتحسين مستوى ونوعية عيش المواطنين في تلك المناطق وبالتالي بث الحيوية في الاقتصادات المحلية عبر الافادة من الميزات التفاضلية الجاذبة لدى هذه المناطق والتي تمكنها من التمتع بجدوى ومشروعية اقتصادية مستدامة (Economic Raison D\'être) إذا ما أتيحت لها الفرص لذلك. ويتحقق ذلك من خلال طرح و/أو إعادة طرح إمكانية إنشاء مشاريع قطبية على صعيد كل منطقة من المناطق اللبنانية على قاعدة الشراكة بين القطاعين العام والخاص حيث يقوم القطاع الخاص بإطلاق مبادراتها وبتمويلها وتنفيذها وإدارتها وتساعد الدولة بدورها من خلال إيجاد المناخات المؤاتية السياسية والأمنية والاقتصادية لتلك المشاريع التي تسهم في خلق فرص العمل الجديدة وفي تحريك عجلة النمو الاقتصادي في تلك المناطق.

        تشكل هذه المشاريع القطبية بحد ذاتها دينامية اقتصادية جديدة وجاذباً ومحفزا (catalysts) في بلورة وإطلاق المشاريع الصغيرة والمتوسطة في تلك المناطق التي تتكامل مع وتكمل المشاريع القطبية وتساندها وتحقق توزيعاً أكثر عدلاً للموارد والفرص بين جميع المناطق ولدى جميع المواطنين بما يسهم في محصلة الأمر في مكافحة الفقر وكذلك في تخفيض الفوارق الاجتماعية والمعيشية بين المناطق. كما تسهم في معالجة حالات التوتر السياسي والاجتماعي بين المناطق وحالات الشعور بالغبن والتهميش.

        إن ما تطرحه هذه الرؤية هو ضرورة أن تتلاءم المشروعية الاقتصادية في كل منطقة مع بيئتها وميزاتها التفاضلية ولاسيما في ما تواجهه أيضاً من تحديات وما تتمتع أو تتميز به من فرص وإمكانات، حيث تتمحور عندها الحركة الاقتصادية المناطقية حول مشروعٍ قطبي في بعض المناطق أو حول مجموعة من المشاريع المتوسطة والصغيرة في مناطق أخرى، أو أن تنطلق وتتفعل الحركة الاقتصادية من خلال مجموعة من الإجراءات او الاستثمارات العامة في مناطق أخرى. وما نعنيه بذلك هو تصميم منظومة اقتصادية مختلفة لكل منطقة تعزز النشاط الاقتصادي وتخلق فرص العمل الجديدة وتساهم في تحقيق الأهداف التنموية والاقتصادية والاجتماعية فيها مع اعتماد آليات محددة للمتابعة والإشراف والتنسيق على صعيد الحكومة بما يضمن سلامة وديمومة التقدم على مسار التنفيذ في كل المناطق اللبنانية.

        ونحو تحقيق هذه الأهداف، طبعا سيكون على الدولة ان تقوم بدورها  في اطار هذه الشراكة وبالعمل على توفير شروط النجاح لهذه الرؤية، وذلك من خلال العمل ضمن وعلى مسار ثلاث اطر:

أولاً: الاطر الفوقية التمكينية (soft enablers): أي الأطر القانونية والمؤسسية والمراسيم التنظيمية والهيئات الناظمة التي تؤمن من جهة أولى الإطار العام للاستثمار من قبل القطاع الخاص وترسم قواعده وتحدد المسؤوليات والحقوق والواجبات والحوافز وتؤكد من جهة أخرى على الاستقرار التشريعي وسيادة دولة القانون وتعزيز مستويات الأمن والأمان والنظام. وتشكل هذه الأطر عوامل في غاية الأهمية لجهة حماية المستثمرين وتعزيز شعورهم بالأمان والاطمئنان واقتناعهم بالجدوى المالية لمشروعاتهم. وتجدر الإشارة في هذا الصدد أيضاً على أهمية التأكيد على الالتزام الصارم لدى أصحاب تلك المشاريع بالمعايير التي تفرضها الدولة لجهة إقدار الاستثمارات  الموضوعة على تحقيق التناغم والتلاؤم بين المصلحة العامة من جهة أولى والأهداف الاستراتيجية لجهة مستويات الأمان والمردودية المحفزة لمبادرات القطاع الخاص من جهة ثانية.

ثانياً: الاستثمارات العامة التمكينية(hard enablers) : أي الاستثمارات العامة الضرورية في البنى التحتية في مجمل القطاعات (طاقة ، نقل، اتصالات، طرقات، مياه وصرف صحي ونفايات صلبة...)  التي تساهم في إعطاء المناطق هوية اقتصادية محددة ومحفزة وتبرز ما تتمتع به من جواذب اقتصادية واستثمارية مجدية تمكنها من الافادة من والبناء على ميزاتها التفاضلية.

ثالثاً: البرنامج الاجتماعي التمكيني (social enablers) : أي الاستثمار في الإنسان وتحسين قدراته الإنتاجية من خلال  رفع مستويات الأداء في قطاعات الصحة والتربية والتعليم والتعليم المهني والمهني المسرّع والشؤون الاجتماعية وتمكينه من الافادة مما ستؤمنه له الحركة الاقتصادية في المناطق من فرص للتقدم والتطور. هذا ما تؤكد عليه خطة الحكومة الإصلاحية المقدمة في مؤتمر باريس-3 في كانون الثاني 2007 والتي ينبغي التأكيد مجدداً على أهمية تعزيز الجهود للتقدم على مساراتها والتشديد على الالتزام بها. وعلى هذا الاساس لن تتطرق هذه الرؤية بشكل مفصل لهذا البرنامج الاجتماعي. 

        إن وضع هذه الرؤية في حيز التنفيذ يقتضي برمجتها يسهل قياس التقدم على مسارات تنفيذها (Programmatic Approach) وهو ما يحتّم إيجاد مشاركة متناسقة من  أكثر من جهة من خلال العمل على ترجمتها على أرض الواقع (رئاسة مجلس الوزراء- الوزارات المعنية- مجلس الإنماء والاعمار- مؤسسة إيدال- مؤسسات القطاع الخاص، على سبيل المثال لا الحصر). وبالتالي فإن نجاح ترجمتها عملياً يرتبط بقدرة هذه الجهات على التنسيق بين بعضها بعضاً بطريقة متناسقة ومتناغمة. وعلى ذلك تقترح رئاسة مجلس الوزراء وضع آلية مؤسساتية واضحة لوضع هذه الرؤية حيّز التنفيذ وذلك من خلال اتباع آلية برمجة مماثلة لتلك التي وضعت لبرمجة ومتابعة تنفيذ الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والإنمائية التي أقرت في مؤتمر باريس-3 وقياس التقدم على مسارات تنفيذها بشكل دوري.

· مكونات الرؤية الانمائية المناطقية
        تشكل الرؤية الإنمائية المناطقية فرصة للحكومة اللبنانية كي تعيد طرح مشاريع تم التداول ببعضها سابقاًَ إلا أنه لم يتم في وقتها ترجمة تلك المشاريع إلى مشاريع محددة قابلة للتنفيذ. كذلك لم تسمح الظروف السياسية والأمنية التي سادت على مدى السنوات الماضية لتنفيذ أو تطوير البعض الآخر من تلك المشاريع التي تمثل مجموعة قابلة للتعديل والزيادة. من جانب آخر لم ولا تتوافر لهذه المشاريع أو لغيرها مما يمكن أن يصار إلى اقتراحه ظروف التمويل اللازم من الدولة اللبنانية ولا حتى الإمكانات ولا الأدوات الملائمة لتشغيلها وإدارتها. لذا تشكل هذه الرؤية فرصة لطرحها وطرح  مشاريع أخرى جديدة، وهي جميعها مشاريع قادرة عند القيام بتنفيذها على الإسهام بشكل جدي في تحريك اقتصادات المناطق وتحفيز نشوء الكثير من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تستفيد وترفد نشاطات المشاريع الكبرى. إلى جانب ذلك فإن هذه المشاريع سوف تسهم في تفعيل قوى العرض والطلب الخاصة بها لجهة قدرتها على تكوين استثمارات موازية وحركة اقتصادية مواكبة ومكملة لها. ذلك مما سيسهم في إيجاد فرص عمل جديدة بما يسمح للبنانيين أن ينعموا بفرص التقدم والنمو حيث هم. وفي هذا الإطار، تسعى هذه الرؤية إلى طرح المشروع المناسب في المنطقة المناسبة بما يتناسب مع الميزات التفاضلية لكل منطقة من جهة، وبما يمكن كل منطقة من مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية الواجب التصدي لها. ذلك ما سيساعد أيضاً في أن يكون للمشروع المعني فرصة حقيقية للإسهام في تأمين التنمية المتوازنة والنمو المستدام لتلك المناطق دون أن يتطلب ذلك دعماً مالياً إضافياً من قبل الدولة.
        بالإضافة إلى ذلك، فإن فكرة طرح هذه المجموعة من المشاريع القطبية في آن واحد وبطريقة مترابطة، وهو ما تقدمه هذه الورقة كمجموعة واحدة متكاملة وليست نهائية، سيؤمن تفاعلاً كبيراً يزيد من الوقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الإيجابي في كل منطقة ويسهم في إيجاد حالة من التعاون والتنافس الإيجابي بين المناطق ويؤمن مشاركة فعالة للمواطنين أينما كانوا بما يدفعهم إلى الإسهام في تطوير مناطقهم ورفع مستويات عيشهم ويخلق شعوراً عاماً إيجابياً لجهة المشاركة الفعالة في حمل لواء وتحمل مسؤولية تطوير وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في جميع مناطق لبنان ومعالجة الشعور المزمن بالغبن والإهمال والتهميش. 

        من ناحية أخرى، فإن الضوابط الصارمة التي يرسمها ويفرضها مستوى العجز المرتفع في الموازنة وحجم الدين العام، يوجب العمل على الالتزام بتوجه اقتصادي لا يزيد من حجم الأعباء الملقاة على كاهل الخزينة التي تئن من حجم الدين العام الحالي ونسبته المرتفعة إلى مجموع الناتج المحلي الأمر الذي يحد من قدرة القطاع العام على تدبير التمويل اللازم لإقامة هذه المشاريع ناهيك عن عدم قدرته على التلاؤم مع متطلبات إدارتها وتشغيلها. ذلك ما يفرض أن تسعى الحكومة إلى إشراك القطاع الخاص بحمل لواء تنفيذ هذه المشاريع القطبية وتمويلها وإدارتها وتشغيلها ضمن الأطر التي تحددها الدولة (قانون الشراكة بين القطاعين) وضمن إطار الهيئات الناظمة الواجب إيجادها في المجالات التي يمكن إنشاء هيئات ناظمة وبما يعود على لبنان بمناطقه وشعبه بالمنفعة العامة من استثمارات وفرص العمل الجديدة والتنمية المتوازنة والنمو المستدام.

يتوجب على الحكومة، وفي ظل هذه الرؤية، أن تطلق برنامجاً جديداً ومتلائماً للاستثمارات العامة ولاسيما التمكينية منها التي تساعد على إضفاء طابع اقتصادي يتلاءم مع طبيعة كل منطقة ويعالج المعوقات التي تلجم تطورها وتحد من جاذبيتها وبالتالي تمكين تلك المناطق من اجتذاب الاستثمارات المطلوبة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، ستحتاج المنطقة الاقتصادية الحرة في طرابلس إلى تشغيل مطار رينيه معوض وإلى استكمال توسيع وتعميق المرفأ في طرابلس وإلى بناء سكة الحديد الممتدة من طرابلس إلى الحدود اللبنانية- السورية، بينما ستحتاج المنطقة الصناعية في رياق إلى بناء سكة حديد من رياق إلى الحدود اللبنانية السورية وإلى تشغيل مطار رياق. كما أن المناطق كافة بحاجة إلى توفر خدمات الاتصالات بجودة عالية وأسعار بمتناول فئات المجتمع كافة.

        بالرغم من الصعوبات التي تعاني منها المالية العامة، يتوفر للبنان حالياً، تمويل خارجي ميسّر يسمح له بإطلاق مرحلة جديدة من الاستثمارات العامة.  فالتمويل الخارجي المتوفر من القروض التي أبرمت اتفاقياتها (لدى مجلس الإنماء والاعمار) أو التي ستبرم قريباً، موزعة على الشكل التالي:

· مكونات الرؤية الانمائية المناطقية

تعتبر شبكات وخدمات الاتصالات من أهم وسائل الوصل بين كافة المناطق اللبنانية؛ إن توفر خدمات الاتصالات بجودة عالية وأسعار بمتناول كافة فئات المجتمع، سوف يؤدي حتماً الى استقطاب الاستثمارات في كافة المجالات الخدماتية والاقتصادية، وخلق فرص عمل جديدة تسهم في انعاش الاقتصاد المحلي، والحدّ من الهجرة الى المدن، وهذا فضلاً عن تأمين الخدمات العامة كالتربية والصحة. لذلك، فإن من الضروري أن يكون تأمين هذه الخدمات بجودة عالية وأسعار مقبولة من صلب برنامج تحرير قطاع الاتصالات الذي أعدته الهيئة المنظمة للاتصالات وفقاً لقانون الاتصالات 431. إن برنامج تحرير قطاع الاتصالات الذي أعدته الهيئة يرتكز على محورين هما أطلاق المنافسة الشفافة من جهة وتطوير برنامج الخدمة الشاملة:

1- تحفيز المنافسة في قطاع الاتصالات عبر تحرير القطاع ومنح تراخيص الحزمة العريضة الوطنية وخصخصة الهاتف الخلوي عبر مزايدة عالمية ووفق دفاتر شروط تعدها الهيئة متضمنةً حق إنشاء شبكات اتصالات دولية ووطنية (لربط المناطق والمدن).

2- إطلاق برنامج الخدمة الشاملة (الذي هو قيد الاعداد من قبل الهيئة) والذي يرتكز على إعداد الشروط والوسائل الضرورية لتقديم الخدمة الشاملة في جميع المناطق اللبنانية بما في ذلك آليات التمويل الضرورية.

من أجل تحفيز المنافسة في هذا القطاع، يجب تهيأة المناخ المناسب لاستقطاب الاستثمارات وعلى سبيل المثال، نذكر مشروع مرسوم تنظيم الدخول الى الأملاك العامة الذي تعدّه الهيئة المنظمة للاتصالات ويتوقع أن ترفعه، وفق أحكام قانون الاتصالات 431، إلى معالي وزير الاتصالات ليحيله بدوره إلى مقام مجلس الوزراء لإقراره والذي سيساهم في انتشار خدمات الاتصالات ويؤمن، في الوقت نفسه، موارد مالية للبلديات.

· مكونات الرؤية الانمائية المناطقية

وهي الأطر المؤسسية والقانونية والتنظيمية والهيئات الناظمة التي تؤمن الإطار العام للاستثمار وترسم قواعده وتحدد المسؤوليات والحقوق والواجبات والحوافز والتي تؤكد على الاستقرار التشريعي وسيادة دولة القانون والنظام. وتشكل هذه الأطر عوامل في غاية الأهمية لجهة حماية المستثمر وتعزيز شعوره بالأمان والاطمئنان وتعزيز قناعاته بالجدوى المالية لمشروعه،  كما تؤكد التزامه الصارم بالمعايير التي تفرضها الدولة لجهة إقدار استثمار القطاع الخاص على تحقيق المصلحة العامة من جهة أولى والأهداف الاستراتيجية للقطاع الإنتاجي لجهة الأمان والمردودية الملائمة من جهة ثانية.

وإذ تحتاج المشاريع القطبية المحددة في الرؤية إلى مؤسسات وقوانين ومراسيم تطبيقية وهيئات إدارية وناظمة ترسم الإطار العام لها وتحدد المسؤوليات وتطلق عجلة العمل في هذه المشاريع.

يفصل هذا القسم على سبيل المثال لا الحصر الاقتراحات على الصعيد المؤسسي ومشاريع القوانين المحالة الى مجلس النواب ومشاريع المراسيم الواجب اعتمادها.
ولعل الإطار الأهم لإطلاق هذه الرؤية يتمثل في إقرار مشروع قانون يحدد الإطار العام للشراكة بين القطاعين العام والخاص ويساهم في وضع هذه الرؤية قيد التنفيذ. تجدر الإشارة في هذا المجال إلى أن الحكومة قد أحالت على المجلس النيابي مشاريع قوانين هامة كمشروع قانون الأسواق المالية الذي يجب أن يعدل لكي يكون متلائماً مع التطورات الأخيرة في الأسواق المالية الدولية واقتراح  قانون الـ e-government ومشاريع قوانين أخرى، وهي جميعها تشكل إطاراً هاماً لجذب وتسهيل وتحفيز وإعطاء دفع قوي لاستثمارات القطاع الخاص، وهو ما يساعد على رفع معدلات النمو الاقتصادي وتعزيز مجالات التنمية الاقتصادية المناطقية ويخلق فرص العمل الجديدة التي تحتاجها المناطق اللبنانية ويسهم في تحسين مستوى ونوعية عيش المواطنين.

        وفي هذا الإطار أيضاً فقد أنجزت الحكومة إصدار المراسيم التطبيقية للمنطقة الاقتصادية الحرة في طرابلس كما يجب أن تنجز المراسيم التطبيقية للمناطق الصناعية التي ستنشأ حسب هذه الرؤية الإنمائية المناطقية ولترتيب الواجهة الساحلية لمدينة صيدا. هذا بالإضافة إلى إنجاز المراسيم التطبيقية الأخرى مثل مشروع مرسوم تنظيم الدخول إلى الأملاك العامة التي سوف ترفعه الهيئة المنظمة للاتصالات إلى وزير الاتصالات وفق ما نص عليه قانون الاتصالات 431 والذي يحفظ الاستثمارات ويؤمن البنى التحتية الضرورية لمشاريع تطويرية أخرى.

· مشروع القانون الموجود لدى مجلس النواب  والرامي الى تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص

· المراسيم التطبيقية  لقانون المنطقة الاقتصادية الحرة في الشمال

· خلاصة:

· تشكل هذه الرؤية مقاربة جديدة لمبدأ الإنماء المتوازن يعتمد وبشكل أساسي على إقدار المناطق اقتصادياً، انطلاقاً من الاعتراف بأن السياسة الإنمائية القائمة على التركيز بشكل أساسي على البعدين الاجتماعي والخدماتي لم تستطع وحدها أن تحقق الأهداف المرجوة من أجل تحقيق تنمية مستدامة.

· تطرح هذه الرؤية خيار الشراكة بين القطاعين العام والخاص والعمل على الإقدار الاقتصادي للمناطق المختلفة بالتعاون مع القطاع الخاص كسبيل جدي وواعد لتحقيق قفزة نوعية على صعيد التنمية الاقتصادية والاجتماعية المناطقية.

· تقوم هذه الشراكة بالدفع قدماً بإفساح المجال امام إنشاء مشاريع قطبية تُطرح على صعيد كل منطقة بهدف إضفاء مشروعية اقتصادية معينة لكل منطقة تتلاءم مع ميزاتها التفاضلية وبما يسهم في تحريك استثمارات إضافية للقطاع الخاص وهو ما يحقق نمواً مستداماً في كل منطقة ويوفر فرص العمل فيها.

· تحفز الدولة عبر مؤسساتها المختلفة الاستثمارات المتوسطة والصغيرة للقطاع الخاص التي تواكب المشاريع القطبية والتي تؤمن توزيعاً أكثر عدلاً للموارد والفرص.

· تواكب الدولة استثمارات القطاع الخاص على الصعيد المناطقي عبر مشاريع بنى تحتية تمكينية (قد يكون بعضها أيضاً بالتعاون مع القطاع الخاص) تساهم في إضفاء المشروعية الاقتصادية للمناطق، وعبر أطر فوقية تمكينية تتكون من مؤسسات وقوانين ومراسيم وحوافز.

\"\"

المصدر: موقع لبنان الأن

إدارة العملية الانتقالية الوشيكة في القيادة الفلسطينية....

 الخميس 2 شباط 2023 - 3:26 ص

إدارة العملية الانتقالية الوشيكة في القيادة الفلسطينية.... مع تقدّم محمود عباس في العمر، فإن التغ… تتمة »

عدد الزيارات: 116,390,884

عدد الزوار: 4,315,525

المتواجدون الآن: 104