عام على إتفاق الدوحة: الظرفي ليس الدستوري..

تاريخ الإضافة الأربعاء 20 أيار 2009 - 5:40 ص    عدد الزيارات 3204    التعليقات 0    القسم محلية

        


اتفاق الدوحة الذي تمّ توقيعه بين الأطراف اللبنانيين في 21/5/2008 في سياق التطور التاريخي للبنان يحتاج الى موضعته في سياقه الزمني وضمن الإطار المعياري للنظام اللبناني. هناك في الواقع عدد من الالتباسات بفعل التلوث في المعايير أو تجاهلها.
1 - الطابع الظرفي لاتفاق الدوحة حسب نظرية الضرورة
 يؤكد اتفاق الدوحة:  "هذا هو الاسلوب الأمثل من الناحية الدستورية لانتخاب الرئيس في هذه الظروف الاستثنائية".
ان اعتماد النص مصطلحي "من الناحية الدستورية" و"هذه" الظروف الاستثنائية - وليس مجرّد القول "بالظروف الاستثنائية"- تؤكده الأعمال التحضيرية للاتفاق(1).
حالة الضرورة متوافرة، على المستوى الداخلي اللبناني، خاصةً بفعل احتلال الوسط التجاري بين 1/12/2006 و22/5/2008، والتعديات المسلحة في 7/5/ 2008، بالاضافة إلى شغور رئاسة الجمهورية، والتأجيل التاسع عشر في 13/5/2008 لانتخاب مجلس النواب رئيسا جديدا للجمهورية... يرتبط تاليًا اتفاق الدوحة بنظرية الضرورة في القانون العام(2)، ويؤكد ذلك رئيس مجلس النواب نبيه بري، بصورة غير مباشرة، خلال الجلسة النيابية في 25/5/2008 بقوله: "ان جلسة الانتخابات الرئاسية اليوم تُشكل تتويجاً لوفاقنا الوطني الذي تحقق نتيجة اقتناع ولرغبة ولمصلحة ولضرورة لبنانية وعربية مشتركة (...)".
ويذهب سمو أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الى أبعد في مفهوم الضرورة: "بلغنا حافة لم تعد فيها الأمور خلاف أطراف، إنما مصير أوطان. عند هذا الخطر، أمن الأوطان وليس خلاف الأطراف، اصبح لزاماً علينا أن نحسم (...). الغالب هو لبنان والمغلوب هو الفتنة، وهذا ما ينبغي أن يكون واضحاً للجميع، اليوم وغداً وإلى الأبد". ويضيف أمير قطر: "أُريد أن أقول بإنصاف أن النظام العربي نجح لأنه استطاع أن يتجاوز ظروف الخطر (...) وأن الأمة نجحت لأنها عند حافة الهاوية، أحاطت بالأزمة، وسحبتها من الخطر إلى ساحة الحوار".
يُشدد رئيس الحكومة فؤاد السنيورة في المحضر الرسمي إثر إعلان الاتفاق في 21/5/2008: "ما توصلنا إليه هو اتفاق استثنائي في مرحلة استثنائية اقتضتها ظروف استثنائية. وبالتالي يجب أن نؤكد مجدداً ودائماً احترام الدستور وقواعد العمل الديموقراطي".
2 - الطابع المرجعي لاتفاق الطائف دون تعديل دستوري:
 ان اتفاق الدوحة، وجميع الأعمال التحضيرية، تؤكد على مرجعية اتفاق الطائف، الذي صادق عليه مجلس النواب اللبناني في 5/12/1989، وتجسّد في التعديلات الدستورية في 21/9/1990. وفي المقابل اعتُبِرَ اتفاق الدوحة كإجراء يتعين تنفيذه كآلية تفاوضية وتسوية بين الزعماء السياسيين، في شكل يسبق انعقاد الجلسة الرسمية للمجلس النيابي. يحدد اتفاق الفينيسيا" الذي تمّ التوصل إليه عشية سفر الزعماء إلى الدوحة في شكل دقيق: "إنطلاقاً من مبادئ الدستور اللبناني واتفاق الطائف".
ويُشدد رئيس الجمهورية في خطابه بعد انتخابه لسدة الرئاسة بقوله: "اختار لبنان السير في ما اتفق عليه في الطائف، وهو مدعو إلى حماية هذا الخيار، والعمل على ترسيخه، لأنه ينبع من الإرادة الوطنية الجامعة".
لا يُشير أمير قطر إلى أي مرجعية حول تعديل دستوري ولا حتى من طريق الإيحاء، إذ يقول: "ان الدوحة لم تفعل أكثر من أنها فتحت ساحة لحوار حرّ".
ويلفت وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل إثر انتهاء جلسة انتخاب رئيس جديد للجمهورية في 25/5/2008 "إذا كان اتفاق الطائف قد كرّس التركيبة الدستورية للبنان ومؤسساته، فإن اتفاق الدوحة جاء ليؤكد اسلوب الحوار والتوافق ويرفض منطق الصدام والمواجهة"(3).
3 - عودة إلى مبدأ استمرارية عمل المؤسسات دون تغيير مؤسسي:
 يضمن اتفاق الدوحة استمرارية المؤسسات وليس تغييرها. نص اتفاق الفينيسيا في 15/5/2008 على: "تأمين عمل المؤسسات العامة والخاصة".
ويصف رئيس المجلس النيابي نبيه بري الاستحقاق الرئاسي بأنه: "أساس يضمن عودة المؤسسات الشرعية، على صعيد الحضور والدور".
4- تكامل بنود الاتفاق:
 تجنباً لأي محاولة لعزل أحد بنود الاتفاق واعتباره قاعدة حقوقية جديدة أو سابقة دستورية، يُشدد اتفاق الفينيسيا على تكامل كل بنود الاتفاق التي تُشكل وحدة متكاملة لا تتجزأ: "7. يكون لكل بند من بنود هذا الاتفاق ووفقاً لنصوصه نفس القوة والمفعول ويلتزم الفرقاء التزاماً كاملاً تطبيقها جمعياً".
ان تشكيل حكومة وحدة وطنية هو بطبيعته عمل ظرفي في النظام الدستوري اللبناني(4). ولا يمكن أن يتمأسس كقاعدة دائمة، مما يمس بمبادئ دستورية عدة بينها مبدأ الفصل بين السلطات، والصفة الإجرائية للمجالس الوزارية في لبنان في إطار ميزان متعدد من 18 طائفة، وفي نظام قائم على فيديرالية شخصية وليس جغرافية. ان الإدارة الحكومية الجماعية في إطار فيديرالية جغرافية، على غرار بلجيكا وسويسرا، لا تشل آلية التقرير في أنحاء البلاد(5).
لحظ اتفاق الدوحة كتسوية ظرفية: "تشكيل حكومة وحدة وطنية من 30 وزيراً توزعوا على أساس 16 للغالبية، و11 للمعارضة، و3 للرئيس". يتلازم هذا البند بالذات مع تحفظات وشروط لتجنب مخاطر تحوّل اجراءات ظرفية الى قاعدة ثابتة: 2. (...) "يتعهد كل الأفرقاء، بمقتضى هذا الاتفاق، عدم الاستقالة أو إعاقة عمل الحكومة".
أما في ما يختص ببند الجغرافيا الانتخابية (اعتماد القضاء دائرة انتخابية)، فهذا الاعتماد هو ظرفي بطبيعته، حيث ان كل نظام انتخابي، حتى لو كان مستحباً والأكثر انطباقاً على الحاجات، يقتضي تغييره بعد دورات عدة، لأنه يخلق إختصاصيين في التلاعب ينجحون لا بفعل شعبيتهم، بل لأنهم يصبحون اكثر مهارة في التحكّم بالماكينات الانتخابية والتأثير في النتائج.
5. التمييز بين الميثاق والدستور والحكمية:
تثير الأنظمة البرلمانية المختلطة régimes parlementaires mixtes, consensuels, consociationnels، عدداً من الإشكالات والخلط بين المواثيق والدساتير والحكمية. تحدد المواثيق مبادئ عامة، تترجمها الدساتير على المستوى التطبيقي بأحكام وإجراءات تنفيذية، بينما الحكمية gouvernance تعني الممارسة الفعلية للسلطة.
ان اتفاق الدوحة هو بالتأكيد ميثاق في اقراره بمبادئ العيش معاً، والسلم الأهلي، والمرجعية المشتركة للدولة ولنظام إقليمي عربي، ونبذ اللجوء إلى السلاح لحل النزاعات الداخلية...، لكنه ليس ميثاقاً تأسيسياً، بحسب مهندسيه الذين يلجأون صراحة، وفي مناسبات متعددة، إلى إتفاق الطائف كمرجعية.

(•) النص هو خلاصة تحليلية للكتاب الصادر حديثا: انطوان مسرة وربيع قيس (اشراف)، اتفاق الدوحة: بناء ثقافة المواثيق في لبنان من اجل مواطنية فاعلة، بيروت، المؤسسة اللبنانية للسلم الاهلي الدائم والمؤسسة العربية للديموقراطية، المكتبة الشرقية، ايار 2009، 464 ص.
(1) طوني عطاالله (اشراف) وآخرون، مع انطوان مسرة وربيع قيس (تنسيق)، جذور اتفاق الدوحة، بيروت، المؤسسة اللبنانية للسلم الاهلي الدائم والمؤسسة العربية الديموقراطية، سلسلة "وثائق"، جزء 23/ 2009، 394 ص.
- الحياة النيابية، مجلة مجلس النواب اللبناني، العدد 67، حزيران 2008، ص 5 – 24 و229 – 233.
(2) صالح طليس، "اتفاق الدوحة بين الدستور وميثاق الطائف"، بخاصة الصفحات حول حالة الضرورة، وايضا انطوان مسرة وربيع قيس (اشراف)، اتفاق الدوحة...، مرجع المذكور، ص 233 – 260.
(3) صحف 26/5/2008.
(4) نقولا ناصيف، "تشكيل الحكومات في لبنان"، ندوة في قسم العلوم السياسية، جامعة البلمند، 7/5/2009.
(5) دراستنا بعنوان: "الاكثرية الموصوفة وآلية اتخاذ القرار في النظام الدستوري اللبناني"، 2009، 12 ص.ويلحظ اتفاق الدوحة أيضاً: "حصر السلطة الأمنية والعسكرية على اللبنانيين والمقيمين في يد الدولة".

 


(استاذ في الجامعة اللبنانية وجامعة القديس يوسفعضو المجلس الاستشاري لمؤسسة انا ليند الاورو – متوسطية للحوار بين الحضارات)      


المصدر: جريدة النهار

...A Way Out of the Iraqi Impasse....

 الجمعة 12 آب 2022 - 5:32 ص

...A Way Out of the Iraqi Impasse.... Demonstrators are occupying parliament in Baghdad, with Ira… تتمة »

عدد الزيارات: 100,329,995

عدد الزوار: 3,604,950

المتواجدون الآن: 77