الثلاثاء 27 ذو الحجة 1435 هـ الموافق 21 تشرين الأول 2014 م

         الصحافة هذا الأسبوع
         دراسات وأبحاث
         الأزمة الإيرانية
         القضية الفلسطينية

دراسة في الرأسمالية

 الجمعة 22 تموز 2011 10:04 PM
      

المصدر: خاص يمثل وجهة نظر الكاتب


 

            يمر العالم اليوم بأزمة إقتصادية كبيرة تعتبر من أقسى الأزمات التي مرت في تاريخ البشرية، فهي لا تهدد أمة من الأمم، ولا شعباً من الشعوب فحسب، بل تهدد العالم كله بالإندثار والدمار.
            والعالم الإسلامي ليس إلا جزءاً من هذا العالم الكبير، لا يستطيع أن يتغاضى عن ذلك، وعليه أن يسهم في حل تلك الأزمة التي تنتاب العالم، وتهدد البشرية وما وصلت إليه من تطور وحضارة، فإذا استطاع أن يحل تلك الأزمة، فعندئذ يستطيع أن ينقل العالم إلى طريق الخير، ويأخذ بيده إلى بر الأمان، وإلا فإن الأزمة سوف تدمر العالم ، وسوف تكون الشعوب الإسلامية ضحية لتلك الأزمة وفريسة للمنتصرين.
            والمشكلة الأولى التي أوجدت هذه المشكلة الإقتصادية، نشأت من وجود حاجات متعددة للأفراد لا تكفي الموارد المحدودة لإشباعها، وحاولت النظم الجماعية بإيجاد الحلول فلم تفلح، وتحاول اليوم النظم الفردية أن تقدم الحل المناسب للقضاء على هذه المشكلة أو الترقيع لها فلم تصل إلى نتيجة،فالنظم الفردية تحاول إعطاء الفرد الحرية الواسعة، لأن الفرد في رأي هذا المذهب الرأسمالي، وهو موضوع بحثنا، هو الغاية من النظام الإقتصادي، وبذلك يكفون يد الدولة من التدخل في الشؤون الإقتصادية، وقد تعرض هذا الرأي لهجوم عنيف من قبل أنصاره ودعاته، لأنه أدى إلى التضارب بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة،وأصبحت المصالح الجماعية فريسة لمطامع الأفراد...واليوم يئن النظام الفردي في العالم الغربي أمام مطامع الأفراد التي تظهر بشكل واضح في الإحتكارات العالمية، والتكتلات المالية التي تقع على عاتق الفرد المستهلك.
 
تعريف الرأسمالية:
ليست الرأسمالية مذهباً تتبعه الحكومات، بل هو نظام اقتصادي يقضي في الأغلب الأعم بأن يتملك الأفراد أو الشركات كافة وسائل الانتاج، والتوزيع، والتبادل التجاري. إنها النظام المتبع في الدول المتقدمة صناعياً في عالمنا الحاضر. ومن ظواهره الرئيسية أو أقل لوازمه الضرورية.
  1. تملك الأفراد والجماعات للأرض ولرؤوس الأموال السائلة ولمنابع الثروات والإشتراك في الأعمال والتعاون في القيام بها.
  2. تنافس الأفراد في الحصول على الأرباح.
  3. التكالب على ابتكار المشروعات واستنباطها والمضي فيها.
  4. تنوع الاختراعات والابتكارات.
  5. إدخال التحسينات اللازمة على دولاب الأعمال الفنية.
  6. التخصص في استثمار الأموال على وجه العموم.
  7. التطور في ازدياد الانتاج.
  8. العمل على نشر التجارة في أنحاء العالم كله.
  9. تغلغل نفوذ تنظيمات اجتماعية تعاونية يكون من نتائجها ما يلي:
أ‌.         فرض رقابة جزئية على اداة الحكم.
ب‌.     تقوية جبهة العمال بعد إدخال التحسينات الواجبة على نظامهم الداخلي في النقابات.
            ومن الوجهة النظرية نرى هذه الظواهر ملموسة في النقيضين روسيا السوفيتية والولايات المتحدة الأمريكية.
            وأول ما بدئ باتخاذ الرأسمالية كمبدأ اقتصادي ممتاز في القرن الثالث عشر، ذلك أن فكرة القيام بالأعمال الحرة قد طرات على أذهان التجار وأصحاب المصارف الذين عارضوا نظام المجتمع الاقطاعي الذي كانوا يعيشون فيه وأصبح يطلق لقب "البورجوازيين" على هؤلاء التجار وأصحاب المصارف. ولما انتشرت الأفكار الحرة في القرن السادس عشر أصبح عملهم أصولاً معمولاً بها في ممارسة الحريات الاقتصادية.
            ومع هذا فلم تتحقق مزايا ذلك النصر الفردي في محيط الأعمال إلا بعد وقت طويل. وخلال المدة بين القرن السادس عشر والقرن الثامن عشر كان الطراز الاقتصادي للحكومات الأهلية تجارياً بحتاً حتى إذا نشبت الثورة الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر أصبح المبدأ الرأسمالي عاماً ثابت الأركان([1]).  
            ويقول الأستاذ أحمد الشيباني في كتابه "دراسات في العقائد" تحت هذا العنوان: "أرى أن الرأسمالية هي المخطط الكامل الذي ابتدعته السلبية في العقل البشري لتنظيم وإدارة وتوجيه الغريزة البشرية في أحط أدوارها الهمجية. لذلك أعتبر الرأسمالية هي الحيوانية التي ينظمها العقل، إذ أنها تمثل طمعاً واعياً ونهماً يقظاً يعرف أهدافه ويعرف الوسائل التي يسلكها إليها، وشراهة تتغذى بالواقع وتهتدي بنور العقل، وأثرة ضيقة خانقة. إنها في اختصار أرقى درجات التي وصل إليها "العقل الحيواني" في الإنسان..
            ففي ظل النظام الرأسمالي تنعدم حتى الفضائل القليلة التي عرفها مجتمع الاقطاع فضائل النخوة والشهامة والفروسية .. لذلك يبلغ في النظام الرأسمالي الصراع بين "العقل الحيواني" و "العقل الانساني" في الانسان ذروته. ويتخذ المجتمع من الغابة مظهرها وجوهرها، فلا حياة إلا للأقوى، ولا وجود للضعيف.
            أما أم الفضائل ومنبعها في ظل النظام الراسمالي فهي الربح بأي وسيلة وسبب. والرأسمالية لا تتغذى من دماء الشعب فحسب، بل إنما يلتهم الرأسماليون بعضهم بعضاً أيضاً.
            وللرأسمالية قوانين رهيبة تسير بموجبها وتطبقها على كل نشاطاتها. وهذه القوانين الرهيبة هي:
  1. قانون البحث عن الربح.
  2. قانون المزاحمة والمنافسة.
  3. قانون التمركز والقدرة على الانتاج وحصره.
  4. قانون السعر المخفض([2]).
 
  
صعود الرأسمالية وانتشارها:
            يكشف التطور التاريخي للنظام الرأسمالي بانه من أقدم النظم الاقتصادية الوضعية ظهوراً، وقد مرَّ بمراحل متعددة، يمكننا أن نبرزها في النقاط التالية:
*مرحلة الرأسمالية التجارية:
            يمثل المذهب التجاري أو الرأسمالية التجارية البداية المبكرة للرأسمالية في المجتمع الأوروبي، وقد ظهرت الرأسمالية التجارية من بداية القرن السادس عشر وامتدت حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي. وقد ساعد على ظهورها عدة عوامل داخلية وخارجية، يمكننا أن نجملها في النقاط التالية:
  1. انهيار النظام الإقطاعي (الذي كان سائداً في المجتمع الأوروبي إبان فترة العصور الوسطى وهي الفترة التي استغرقت نحو عشرة قرون متتالية تبدأ من سقوط الامبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي إلى فتح القسطنطينية في منتصف القرن الخامس عشر وهي فترة ساد فيها الجهل والتخلف في المجتمع الأوروبي)، بسبب هروب رقيق الأرض من الريف الزراعي إلى المدن، لأنهم لم يستطيعوا تحمل الطلبات المتزايدة من قبل أسياد الإقطاع، والتي كانت تستنفذ كل منتجاتهم ومجهوداتهم.
  2. الاكتشافات الجغرافية الكبرى والمتمثلة في:
أ‌.         اكتشاف القارة الأمريكية سنة 1493 م وما أسفر عنه من اكتشاف مناجم الذهب الغنية هناك، حتى أصبح تدفق المعدن النفيس منها إلى المجتمع الأوروبي عاملا مهماً في اتساع دائرة التبادل النقدي في المجتمعات الاقطاعية في أوروبا، الأمر الذي أثر سلباً على الاقتصاد الاقطاعي، لأنه اقتصاد عيني تحصل فيه المبادلات بصورة عينية، حيث أصبح التجار يستخدمون العمال في نظير أجور نقدية، كما أصبح أسياد الإقطاع أنفسهم يشترون من التجار السلع ويدفعون ثمناً نقداً، ويبيعون مالهم من حقوق إقطاعية عينية في نظير مبالغ نقدية، بشكل تحطمت معه رابطة التبعية، وما تفرضه من التزامات مالية، وتحطَّم معها نظام رقيق الأرض، الذي هو أساس النظام الاقطاعي.
ب‌.     اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح إلى الهند والشرق الأقصى عام 1498 م وما أسفر عنه ذلك من فتح الطريق بحراً نحو تلك الدول، ومن ثم فتح آفاق جديدة للتجارة الخارجية التي كانت كاسدة منذ قرون، الأمر الذي زاد من ثراء طبقة التجار الرأسماليين.
  1. الاحتكاك بالحضارة الإسلامية أثناء الحملات الصليبية، حيث يكاد يجمع المؤرخون على أن الحروب الصليبية م1089كان لها أكبر الأثر في التطور الأوروبي، لأنها أتاحت الفرصة أمام الدول الأوروبية لمعرفة ثروات العالم الإسلامي، وإمكاناته الاقتصادية، ومن ثم كان انتهاء هذه الحروب1291م إيذاناً بقيام صلات تجارية وفتح منافذ تصديرية بينها وبين العالم الإسلامي.
            وهكذا شهدت اوروبا في هذه المرحلة فجراً لعهد اقتصادي جديد يختلف اختلافاً جذرياً عما عرف في ظل النظام الإقطاعي، وقد ساد الاعتقاد في هذه الفترة بأن قوة الدول تكمن في مقدار ما تملكه من الذهب وغيره من المعادن النفيسة، ولهذا اهتم التجار اهتماماً خاصاً بالتجارة الخارجية، حتى أصبحت حجر الزاوية في النظام الرأسمالي الجديد، ولذلك سميت الرأسمالية في هذه الفترة بالرأسمالية التجارية، ومن ثم أكدوا على ضرورة تدخل الدولة في التجارة الخارجية، بغية تحقيق فائض في ميزانها التجاري، وانتهجوا سياسة الانفتاح من جانب واحد، وتمثلت في تشجيع الصادرات، حتى يرد الذهب والفضة من الخارج، وتقييد الواردات، لكي لا تتدفق هذه المعادن إلى الخارج. وهي السياسة التي تسمى بلغة الاقتصاد المعاصر بسياسة إفقار الجار.
*مرحلة الرأسمالية الصناعية:
            تطور الاقتصاد الأوروبي من مرحلة الاقتصاد الإقطاعي إلى مرحلة الرأسمالية التجارية، ولكن الرأسمالية لم تقف عند هذا الحد بل تطورت ونَمَت، حتى وصلت في القرن الثامن عشر إلى الرأسمالية الصناعية، نتيجة الثورة الصناعية، التي ظهرت في منتصف هذا القرن، والتي ادت إلى التعجيل بنهاية الرأسمالية التجارية من جهة، وإلى تغيير وتطور الفن الانتاجي من جهة أخرى حتى أصبح هناك زيادة هائلة في ميادين الإنتاج المختلفة، نتيجة إحلال الآلات الصناعية محل العِدة اليدوية والأدوات البسيطة التي كانت مستخدمة من قبل في الانتاج، الأمر الذي جعل قطاع الصناعة نتيجة هذا التطور في الفن الانتاجي مغرياً للاستثمارات، حيث جذب الكثير من رؤوس الأموال إليها، ولهذا سميت الرأسمالية في هذه الفترة – والتي ما زالت قائمة – باسم الرأسمالية الصناعية.
            وقد اعتمد النظام الرأسمالي في فترة الرأسمالية الصناعية على الحرية الاقتصادية التي نادى بها آدم سميث، الذي ظهرت أفكاره وسط هذا التطور، حيث دعا إلى إلغاء كافة القيود التي كانت تُفرض على التجارة الداخلية والخارجية، وعدم تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، كما كان الأمر في ظل الراسمالية التجارية، إلا بما يكفل الأمن والعدالة وحماية الملكية الفردية، غير أن هذا النظام الرأسمالي الذي يعتمد على الحرية الاقتصادية المطلقة وبشكله الكلاسيكي القديم لم يعمر طويلاً في الدول الرائدة في النظام الرأسمالي في ذلك الوقت، كبريطانيا وأمريكا – فلم يُعمَّر في بريطانيا على سبيل المثال لأكثر من نصف قرن وهو النصف الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي – وعندما أدخل عليه بعض التعديلات والتدخلات الحكومية لمعالجة مساؤئه ، إذ كانت الدول الرأسمالية تفرض الرسوم الجمركية، وتمنح الإعانات والدعم لبعض القطاعات الاقتصادية، كما كانت تحدد أسعار بعض النشاطات الاقتصادية ذات النفع العام كالكهرباء والماء والغاز. كما أنها ما زالت تستخدم السياسة النقدية والمالية، كأداة من أدوات التدخل الاقتصادي، وذلك للحيلولة دون حدوث أزمات اقتصادية معينة، إذ إنها في خلال فترات الكساد الاقتصادي وتفشي البطالة تسارع إلى خفض سعر الفائدة، بالقدر الذي يؤدي إلى زيادة حجم الاستثمار، وإلى زيادة الإنفاق العام، ومنح المساعدات المالية، والتوسع في المشروعات العامة، بشكل يسهم في النهاية في زيادة القوة الشرائية في المجتمع، فتنشط حركة الاقتصاد ويرتفع مستوى الطلب الفعلي، بينما في حالة فترات الرواج الاقتصادي وظهور بوادر التضخم تسارع إلى كبح جماح التضخم عن طريق رفع سعر الفائدة، والحد من إنفاقها العام.
            وبهذا التدخل من قبل الدولة الرأسمالية انتهت مرحلة الحرية التجارية المطلقة، ودخل النظام الراسمالي في مرحلة أصبح فيها التدخل الاقتصادي أمراً مقبولاً في الدول الرأسمالية، بالرغم من أنه كان مرفوضاً في الأصل من قِبل المنظرين لهذا النظام، خاصة آدم سميث وتلاميذه، إلا أنه ينبغي التنبيه إلى ان هذا التدخل لا يصل إلى درجة القضاء على جوهر النظام الرأسمالي، وإنما لم يعد بهذا التدخل يحتفظ بشكله الكلاسيكي القديم المفرط في الحرية الاقتصادية المطلقة.
*أسس وخصائص النظام الاقتصادي الرأسمالي:
            تعتبر الحرية الاقتصادية والملكية الفردية وحافز الربح من أبرز أسس وخصائص النظام الرأسمالي، وفيما يلي نناقش ذلك بشيء من التفصيل:
1.      الحرية الاقتصادية: يكفل النظام الرأسمالي الحرية الاقتصادية للفرد، سواء من حيث النشاط الاقتصادي الذي يزاوله أو من حيث الاستهلاك الذي يرغبه، أو من حيث الانفاق أو الاستثمار الذي يناسبه، فليس للدولة في المجتمع الذي يسوده النظام الرأسمالي حق التدخل ووضع القيود والعراقيل أما الفرد، عندما يقوم بأي تصرف من التصرفات السابقة، فالقرارات الخاصة بالعمل والإنتاج والاستهلاك والادخار والاستثمار يتخذها الفرد بنفسه، وفي ضوء ما يراه مناسباً له.
2.      الملكية الخاصة: تعتبر الملكية الخاصة حجر الزاوية في النظام الرأسمالي، الذي يعطي الفرد الحق في تملك أموال الاستهلاك والإنتاج، وأي شيء ذي أهمية اقتصادية، وبالطرق القانونية، حتى أضحت المشروعات الغالبة في النظام الرأسمالي هي المشروعات الخاصة.
ولا يعزب عن البال أن الملكية الخاصة في النظام الرأسمالي أسهمت في زيادة الإنتاج، وفي تشجيع جمع وتراكم الثروة والمحافظة عليها، إلا أن الملكية الخاصة المطلقة لها مساوئها، إذ أنها تؤدي إلى الفوارق الكبيرة في الثروات والدخول بين أفراد المجتمع، إذا ما تركت بدون قيود، كما هو الحال في النظام الرأسمالي، الأمر الذي يجعل الحياة الرأسمالية ميدان سباق، مسعور محموم، بين فئة تملك أدوات الانتاج، ولا يهمها إلا جمع المال من كل السبل ولو أضرت بالآخرين، وأخرى محرومة، لا تملك، بل تظل تبحث عن المقومات الأساسية لحياتها، دون أن يشملها شيء من التراحم، والتكافل، والتعاطف المتبادل.
3.      حافز الربح: يعتبر البحث عن أكبر ربح ممكن غاية النظام الرأسمالي، إذ انه هو المحرك الرئيس لأي نشاط اقتصادي، إلى درجة أن أصبح الفرد في ظل النظام الرأسمالي يتجه إلى الإنتاج مسترشداً باعتبارات أكبر ربح ممكن، لا باعتبارات اشباع الحاجات الأساسية أو الضرورية للبشر، لأنه لم تعد تحركه سوى الأثمان السوقية والاعتبارات الاقتصادية البحتة، وإن ترتب على ذلك إهدار للقيم الروحية أو الأخلاقية في المجتمع، حيث يظل محكوماً ومعتمداً على قرار السوق وحجم الطلب، فإذا كان هناك طلب على ناد للقمار مثلاً فإنه يسارع في إنشائه. إلى درجة أن البحث عن الربح بشتى الطرق والأساليب يجعل المنتج أو المستثمر في ظل النظام الرأسمالي لا يميز بين السلع الطيبة والخبيثة.فإن الغاية تبرر الوسيلة
 
*محاسن النظام الاقتصادي الرأسمالي:
1.      توفير الحاجيات، كماً مع إحترام جودة الانتاج.
2.      إستغلال الطاقات المتوفرة إلى أقـصى حد ممكن.
3.      القـضاء على التبذير فـي كل المياديـن الاقتصادية.
4.      وضع الـكفاءات فـي المناصب المناسبة.
5.      الدقة في المحاسبة والتقدير والتسيير.
 
*مساوئ النظام الاقتصادي الرأسمالي:
            على الرغم مما يتضمنه النظام الرأسمالي من مجموعة من الأسس والخصائص والتي تبدو في مظاهرها صالحة ومغرية للفطرة للبشرية كالملكية الفردية والحرية الاقتصادية وحافز الربح إلا أن له مساوئ عديدة أهمها ما يلي:
1.      إهمال الجوانب الأخلاقية والدينية والانسانية في النظام الرأسمالي، إلى درجة أنه يؤثر الكسب الاقتصادي ولو على حساب الأخلاق ومقتضيات الإيمان وحياة الإنسان.وكما قال أمير الشعراء أحمد شوقي:"إنما الأمم الأخلاق ما بقيت، فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا".
2.      يؤدي إلى التفاوت الكبير في الدخل والثروة وتركزها في يد فئة قليلة.
3.      يؤدي إلى فرض السيطرة الاحتكارية في السوق، إلى درجة أن الإنتاج في المجتمعات الرأسمالية يسيطر عليه عدد محدود من الشركات الاحتكارية الكبرى، مما يعطيها القدرة على فرض الأسعار والهيمنة على الاقتصاد.
ومن الانتقادات الرئيسة لهذا النظام أنه دائم التعرض للتقلبات الاقتصادية الحادة وظهور مشكلات البطالة والتضخم والمديونية، الأمر الذي يؤثر بشكل مباشر على العديد من أفراد المجتمع خاصة أولئك الذين لا يملكون إلا خدمة العمل([3]).
لقد شكلت الرأسمالية استعماراً حديثاً مستمداً من تراكم الثروات ورأس المال وتطوير تقنيات السلاح والتقدم العلمي والصناعي.والرأسمالية هي المسؤولة عن المجازر والكوارث في أفريقيا، فالفقر وضعف الخدمات والبطالة هي النصيب المشترك لأغلبية الدول الخاضعة لقانون الإصلاحالهيكلي.ECONOMIC Reform and structural adjustment Program
إن هذا النظام مستمر في صنع عذاب مليارات البشر وفي نهبهم بإبقائه ثلث البشرية في مستوى حياة القرون الوسطى الأوروبية، ذلك أن قانون الربح يبقى مليارين من الرجال والأطفال في مستوى العام 1000 ونصفهم لا يعلمون حتى ما إذا كانوا سيأكلون غدا([4]).  
 
 
 
  
*الاقتصاد بين الرأسمالية والإسلام:
بعد وقوع الأزمة المالية الأخيرة، قال بعضهم إنها أزمة الرأسمالية، وبعضهم قال إنها أزمة النموذج الأميركي والنسخة الأميركية من الرأسمالية، وقالوا أيضاً إنها أزمة النظام المالي الذي يسير فيه الجشعون بلا حسيب ولا رقيب، وقالوا غير ذلك، والحق أنه مهما قالوا فإن الثابت أن الإدانة إنما هي للمبدأ الرأسمالي برمته، وأن كل ما يقال من أن الأزمة هي أزمة نظام مالي وأزمة ائتمان وأزمة للاقتصاد الأميركي إنما هو تأكيد وتفصيل، ولا يلغي القول بأن الذي يتحطم هو أركان مبدأ الرأسمالية، فالنموذج الأميركي هو نموذج ينتمي لتلك الحضارة، والحديث عن النموذج الأميركي لم يعد منطقياً خاصة وأن الاقتصادات الأوروبية والرأسمالية كلها أخذت تتصدع على التوالي، بل على التوازي، رغم بعض الفوارق سابقاً بينها في أسلوب تطبيق الرأسمالية. والسوق الحرة والنظام المالي والائتمانات والتعاملات البنكية التي وصفوها بالمنفلتة ما هي إلا تطبيق للرأسمالية بلا قيود أي كما هي، فالأنماط والأماكن والأسواق التي ضربتها الكارثة تنتمي للرأسمالية قلباً وقالباً وليست دخيلة عليها، بل إن الذي وقع إنما وقع والرأسمالية في أوج تطبيقها، وتفردها، وغياب أي نظام ينافسها عالمياً. إذن فالصرح الغربي ينهار، وتلك الحضارة أفلست مع إفلاس البنوك والشركات، وأفلست مع إعلانGeneral Motors عملاق صناعة السيارات الأمريكية إفلاسهافي 1 حزيران 2009 ، إذ إنها قد استهلكت نماذجها ولم تعد تستطيع تقديم المزيد، وهذه الحقيقة ليست آتية من باب التمني لزوال باطل الرأسمالية وإن وجد، ولا من باب التخمينات، بل إن نذر الإفلاس في هذا النظام باتت واضحة بشكل يصعب سترها بهياكله الكرتونية.
 
 
  
*أساس عقائدي وفلسفي باطل
إن المدقق في الأساس النظري الذي قام عليه النظام الاقتصادي الرأسمالي يجد فيه ملامح الخطورة على البشر بشكل عام من ناحيتين:
طراز الفرد في الحضارة الرأسمالية،إن الحضارة التي فصلت الدين عن الحياة، كان من الطبيعي فيها أن يكون الفرد هو الذي يضع المصالح والقيم، وكذلك كان من الطبيعي أن تكون هذه قيماً مادية فقط ما دام الدين غائباً، وفوق ذلك فان حضارته قد غطته بغطاء واسع من الحرية ليتمكن من ممارسة قراره في هذه المصالح وفي السعي لها، ومن هنا كان لنا أن نستنتج كيف ستكون صورة النشاط الاقتصادي في تلك المجتمعات من حيث إنها انعكاس لفرد أناني مطلق اليدين لا يرى غير المادة هدفاً.
 
*الفلسفة الاقتصادية الرأسمالية
رأت هذه الفلسفة أن المشكلة الاقتصادية إنما هي مشكلة ندرة وسائل الإشباع بالنسبة للحاجات، وبالتالي هي مشكلة إنتاج وزيادة إنتاج، وهو ما يجب التركيز عليه، فكانت مؤشراتهم للاقتصاد هي مؤشرات الإنتاج كمعدل النمو والناتج القومي والناتج المحلي وغيرها هي المؤشرات الأساسية، والذي حصل عندهم أنه بدل أن يكون البحث في الإنسان وحاجاته ووسائل إشباعها وأن يكون بحث الإنتاج تبعاً لذلك، بدل ذلك ضاع الإنسان وحاجاته في ثنايا بحث الإنتاج، وتحول الأمر إلى بحث في الإنتاج غرضه تعظيم الأرباح لا إشباع الحاجات، ثم ما لبث الأمر أن تحول إلى بحث في الأرباح بمعزل عن الإنتاج، ولذلك أصبحنا نرى أسواق المال وما يعرف بالاقتصاد الوهمي وصارت النقود تلد النقود.
ومن هنا نرى أن قيمة الربح علت على كل قيمة وصار الربح هو الهدف الأسمى، وصارت هذه الأرباح تساهم في زيادة رأس المال وتعظيمه، حتى أصبح عملاقاً زاد من ضخامته آليات جديدة من آليات تراكم رأس المال مثل البنوك وشركات المساهمة، فكف رأس المال هذا عن أن يكون وسيلة مسخرة للإنسان وانقلب إلى أن يصبح الإنسان مسخراً له ولتعظيمه.
وعليه فإننا إذا زاوجنا بين الفرد الرأسمالي الذي سبق ذكره وبين فلسفة النظرة الاقتصادية سنبدأ برؤية ملامح الخطر، لأن الجشع والنهم الذي لا حدود له جعل الشعوب وأفراد الشعوب وثروات الشعوب هدفاً له ولزيادة أرباحه، ولهذا انطلقت الرأسمالية بالاستعمار وبمص الدماء ولم تتوقف، مدفوعة بقيم لا يكون فيها الإنسان سوى منتج أو مستهلك أو عامل، وتكون النتيجة أن تجوع شعوب ليشبع أفراد، وتشقى الكثرة ليزيد ربح غني واحد وتكثر ثروته.
 
*الأزمات الاقتصادية والرأسمالية توأمان لا ينفصلان:
مصطلح الأزمة المالية([5])ن الأزمة المالية هي اضطراب حاد ومفاجئ فى بعض التوازنات الاقتصادية يتبعه انهيار في عدد من المؤسسات المالية تمتد آثاره إلى القطاعات الأخرى. 
شهد العالم وبصورة أساسية الاقتصاد الرأسمالي العديد من الأزمات منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى يومنا الحاضر. إن الأزمات الاقتصادية ما برحت الرأسمالية يوماً، فهي ليست أمراً عابراً فيها، وذلك أن مشاكل العجز بأنواعه والتضخم والبطالة والمديونية والفقر والركود وتآكل الأجور وغيرها... كانت ولا زالت جزءاً لا يتجزأ من الخطاب الاقتصادي في كل بلدان العالم المطبقة للرأسمالية على اختلاف النسب والتفاصيل لا فرق فيها بين دولة متقدمة أومتخلفة.
            وإن الأزمة المالية الأخيرة والتي كانت بمثابة الزلزال وارتدادات الزلزال، ليست حالة فريدة في ظل هذا النظام الرأسمالي وإن تميزت بضخامة حجمها، فقد سبقتها الأزمات الكبرى التي وصمت هذا النظام،
·     أزمة عام 1866 حيث تعرضت عدد من البنوك الإنجليزية للإفلاس، مما أدى في إلى أزمة مالية عصفت باستقرار النظام المالي البريطاني. وتعد هذه الأزمة أقدم الأزمات المالية التي عرفها العالم.   
·     أزمة " الكساد الكبير Great Depression  " فى 1929 والتي تعد أشهر الأزمات المالية التى شهدها الاقتصاد العالمى وأقواها أثراً. إذ هبطت أسعار الأسهم فى سوق المال الأمريكية بنسبة 13 %، ثم توالت الانهيارات في أسواق المال على نحو ما لبث أن امتدت آثاره بشراسة على الجانب الحقيقي للاقتصاد الأمريكى وما تبعه من انهيار في حركة المعاملات الاقتصادية في الإقتصاد الأمريكي تمثلت مظاهره في:
-        انخفاض شديد فى الاستهلاك الكلى
-        انخفاض الاستثمارات من جانب القطاع الانتاجى
-        ارتفاع معدلات البطالة لتصل إلى حوالى ثلث قوة العمل الأمريكية فى عام 1932.
-        تم التأريخ لها بانهيار بورصة نيويورك في Wall Street وول ستريت يوم 24 أكتوبر/تشرينالأول عام 1929 الذي أطلق عليه "الخميس الأسود"
أسبابها:
-        تفاوت هائل بين القدرة الانتاجية للاقتصاد المحلى وقدرة الناس على الاستهلاك
-        الخلل الكبير في توزيع الثروةبين طبقات المجتمع مما ادى الى المضاربات المحمومة
-        عدم تنويع الانشطة الاقتصادية داخل المجتمع،( فقط صناعة السيارات والصلب) لم تهتم بالزراعة
-        فقدان المراقبة والتوجيه من قبل الدولة
-        تلكؤ الدولة الأوروبية عن تسديد الديون المتوجبة عليهاللولايات المتحدةالأمريكية
-        فقد المستثمرون الأمريكيون والأجانب الثقة في الخزينة الأمريكية
-        انعكاس آثار الأزمة على مدن العالم التي تعتمد على الصناعات المختلفة كما شلتصناعة البناء
-        1933أعلن الرئيس الجديد روزفلت Roosevelt، عن برنامجه الإقتصادي المعروف باسم The NEW DEAL
-        وفرت الحكومة تسهيلات ائتمانية سخية الى الصناع والمزارعين
-        أول خطوات الاصلاح الاقتصادي توجهت نحو العاطلين عن العمل
-        إذ هبطت أسعار الأسهم فى سوق المال الأمريكية بنسبة 13 %، ثم توالت الانهيارات في أسواق المال على نحو ما لبث أن امتدت آثاره بشراسة على الجانب الحقيقي للاقتصاد الأمريكى وما تبعه من انهيار في حركة المعاملات الاقتصادية في الإقتصاد الأمريكي تمثلت مظاهره في:
-        فقدان شرعية الفروض الأساسية للنظام الاقتصادي الكلاسيكي الحر المعروف بـ "دعه يعمل، دعه يمر".
-        قيام الاقتصاديون في الغرب بالبحث عن حلول لمشكلات الاقتصاد الحر.
-        ظهور النظرية الكينزية لتؤكد على ضرورية تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية.
 
أن أزمة الكساد الكبير عام 1929م كان إيذاناً بسقوط نظرية آدم سميث الذى نادى بالحرية المطلقة لتملك الأفراد في الرأسمالية في كتابه(ثروة الأمم)وفي خضم الأحداث برز إلى السطح جون مينارد كينز John Maynard Keynes وهو اقتصادي إنجليزي ولد عام 1883 وتوفي عام 1946، وهو مؤسس النظرية الكينزية التي عرضها في كتابه (النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود) The General Theory of Employment, Interest, and Money ... عام 1936، وكتابه : نظرية النقود1930 Theory of Moneyوقد عارض كينز مفاهيم النظرية الكلاسيكية التي كان يؤمن بها آدم سميث والتي كانت من المسلمات في ذلك الوقت.. لتصبح قارب النجاة الذي كانت تبحث عنه الدول الغربية في ذلك الوقت العصيب، وتتركز نظرية كينز على انه لا بد للدولة أن تتدخل في الاقتصاد من خلال السياسات المالية والنقدية للتحكم في الدورات الاقتصادية.. فالدولة تستطيع تنشيط الاقتصاد وتنميته من خلال التحكم في الإنفاق الحكومي ومستوى الضرائب في المجتمع، فتستطيع الدولة مثلاً أن تزيد من إنفاقها الحكومي أو تخفض الضرائب أو بهما معاً لتنشيط الاقتصاد وتقليل معدلات البطالة مما يؤدى إلى رفاهية المجتمع، كما تستطيع الدولة من خلال السياسات النقدية الخاصة بالبنوك المركزية التحكم في مستوى عرض وطلب النقود في المجتمع، فإذا أرادت الدولة تنشيط الاقتصاد فعليها خفض الفائدة لتساعد على زيادة الإقراض وتوفير السيولة في المجتمع وهو ما يؤدي إلى النمو الاقتصادي، أما إذا أرادت كبح جماح الاقتصاد فعليها رفع معدلات الفائدة لتحجم الإقراض وتمتص السيولة من المجتمع وبالتالي يبدأ النمو بالانكماش والتراجع..
استمر النظام الرأسمالي في تبني نموذج كينيز الاقتصادي منذ منتصف الثلاثينات الميلادية وحتى يومنا هذا 70 عاما .تعتبر الأزمة الاقتصادية الكبرى كما يقول المؤرخون نتيجة من نتائج الحرب العالمية الأولى (مصانع للأسلحة....) وسبباًمن أسباب قيام الحرب العالمية الثانية
·       أزمة الديون العالمية مع بداية الثمانينات من القرن العشرين.
·       إلى أزمة انهيار وول ستريت عام 1987م عندما خسر مؤشر داو جونز 22.6 % ومنه إلى الأسواق المالية العالمية،
 
·       أزمة عام 1997م عندما حصل هبوط حاد في أسعار الأسهم في الأسواق المالية الكبرى، بدأ في هونغ كونغ فاليابان فأوروبا ثم أميركا، وقيل حينها إن بورصة هونغ كونغ خسرت في يوم واحد ما يقارب تريليون دولار.
في العام 1997شهدت الدول الأسيوية أزمة مالية شديدة بدأت بانهيار عملة تايلاند عقب قرار تعويم floating العملة أو خفض سعر صرف العملة الوطنية
·       أزمة النمور الآسيوية 1997
إن تفاقم الديون الخارجية هو المستنقع الرئيسي الذي تنفجر فيه الأزمات المالية والنقدية،وإن البلد الذي يتسرع في فتح اقتصاده وسوقه على السوق العالمي وإلغاء القيود على حرية دخول وخروج رؤوس الأموال في أي وقت تشاء وانفتاح الأسواق النقدية والمالية أمام نشاط هذه الأموال يضع مصيره في قبضة المضاربين
·       أزمة "فقاعات شركات الإنترنت" في أواخر القرن العشرين ومطلع الألفية الثالثة: بمؤشر ناسداك "NASDAQ" حيث ارتفعت أسعار أسهم تلك الشركات في البداية بشكل كبير، وتبعه انخفاض أسعار تلك الأسهم بسرعة وبصورة ملحوظة. وقد تزامن هذا الانخفاض مع حدوث هجمات سبتمبر 2001 والتى أدت إلى إغلاق أسواق المال الأمريكية بشكل مؤقت
·       أزمة 2002م حيث تراجعت أسواق المال العالمية بعد التزوير في حسابات شركة إنرون، ثم أزمة الرهن العقاري وانخفاض الدولار وارتفاع الأسعار، وأزمة الغذاء، وما لم يذكر أكثر.
·       الأزمة المالية عام 2008:
 تعرض العالم فى الآونة الأخيرة لأزمة مالية توصف بأنها الأسوأ ربما منذ أزمة الكساد الكبير على حد تعبير الخبراء الاقتصاديين. فمنذ مطلع العام تنبأت المؤشرات الاقتصادية المختلفة بحدوث كساد فى النشاط الاقتصادى على المستوى العالمى
* ارتفعت أسعار البترول لتصل الى 147 دولار للبرميل فى يوليو
* تكرر الأزمات الإئتمانية فى الأسواق العالمية
أزمة الرهن العقارى فى الولايات المتحدة؛  Mortgage Crisis*
 *إرتفاع معدل البطالة اكثر من 9.4%.
6* ارتفاع أسعار السلع الأساسية مما هدد بحدوث ركود أو "كساد"  تضخمي
 إذ إنه على هامش الأزمات الكبرى توجد مئات الأزمات التي طالت الدول، كل بعينها، حتى جعلت التخلف لمعظم بلاد العالم كأنه تقسيم طبيعي، فبات لكل شعب ولكل سوق يوم أسود بل أيام سود تذكر فيه الخسائر الفادحة، وحتى صار بؤس العيش هو الأزمة التي تنام معها معظم الشعوب وتصحو، تلك الأزمات التي رافقتها وصفات البنك والصندوق الدوليين. والسبب في ذلك كله أن جزئيات الأزمة ومفرداتها موجودة في النظام الرأسمالي، واللافت أن الأسس نفسها التي يقوم عليها النشاط الربحي الرأسمالي هي ذاتها أسس الأزمات فيه، ولذلك يصعب إيجاد أي تحليل لكوارث هذا النظام الاقتصادية لا يتكلم مثلاً عن انعدام الرقابة على أسواق المال، أو أنشطة البنوك الاستثمارية، أو ارتفاع أسعار الفائدة، أو الأسهم والسندات ومضارباتها وسوقها الوهمي وغير ذلك، أو حرية السوق المفرطة... مع أننا إذا أمعنا النظر فإننا نرى أننا نتكلم عن أساسيات النظام الرأسمالي.
 
 
*أزمة الإنسان مع الرأسمالية "الرأسمالية تستهلك العالم":
إن رأس المال الغربي قد صار من الضخامة بحيث أصبح عبئاً؛ لأن معدل الأرباح صار يقل كلما زاد استثمار رأس مال جديد في الاقتصاد الحقيقي في الدول الكبرى الرأسمالية، ومن هنا فإن ضخامته صارت ثقلاً، فكان الابتكار في نقله من سوق الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي إلى سوق المال، ومن نقله محلياً إلى إطلاقه لجني الأرباح عالمياً فيما عرف بالعولمة، ولم تكن الخصخصة إلا استجابة من الاقتصادات التابعة في الدول الضعيفة لمتطلبات حركة رأس المال، وبالتالي كانت الخصخصة تعني إيجاد أسواق مفتوحة يمكن أن يتحرك فيها رأس المال، ولو أن ذلك يعني خصخصة القطاعات الضرورية للناس، ومع ذلك فان هذه العولمة قد شكلت للرأسمالية مقتلاً وذلك بإعطاء الأزمات إمكانية الانتشار السريع مثلما أعطتها إمكانية التوسع لجني الأرباح، وهو الأمر الذي جعل من أي رجة أو هزة قادرة على إصابة النظام برمته بالصرع. فالعولمة هي استمرار نهج الجشع مع اختلاف أفراد السوق من سوق محلي إلى عالمي، ومن كونهم أفراد إلى أفراد ودول.
ومن هنا كانت أزمة العالم والإنسان مع الرأسمالية، إذ على مدى فترات طويلة من هذا النظام أفلست دول وجاعت شعوب وافتقرت، ونهبت موارد ونضبت أخرى، وغرقت بلاد بالديون للدول الكبرى وبنوكها ومؤسساتها الدولية، وانهارت أسواق المال وارتفعت أسعار الغذاء وانهارت العملات وفقدت بلاد احتياطياتها، هذا هو واقع الحال منذ أن أصبح العالم يعيش في ظل الرأسمالية، أليست الأزمة الكبرى إذن هي أزمة الإنسان مع الرأسمالية وأصحابها أولاً وقبل كل شيء؟ ولماذا لا يفطن للأزمات بل لا يقال لها أزمات إلا عندما تصبح في عقر دار الغرب؟ وإلا عندما تتعلق برأس المال وكبار الأثرياء؟؟ وكأن الإنسان لا وجود له فيما سواهم.
 
*الرأسمالية تفتك بأهلها:
ومن مؤشرات إفلاس هذا النظام وإفلاس حضارته أنه أصاب بضرره كل من طبق عليه وكذلك البلاد التي اعتنقته، وبعد أن كانت أزماته تصدر ليعاني منها العالم بالوكالة عن الدول الرأسمالية فقد جاء الوقت الذي يكتوي فيه أصحاب هذا النظام بناره التي اشتعلت في عقر دارهم. وإن نظرة سريعة إلى أرقام الفقر ومستويات البطالة وانخفاض الدخول وتراجع الاستهلاك ترى ماذا فعلت حرية السوق والنظام الحر للبشر عبر سنوات من التحكم، فقد أظهرت دراسة جديدة للبنك الدولي سقوط مزيد من سكان الدول النامية في براثن الفقر من جراء الأزمة المالية العالمية. وتقول الدارسة إن تقديرات جديدة جمعها البنك الدولي لعام 2009م تظهر أن ضعف نمو الاقتصاد سيزيد عدد الأشخاص تحت خط الفقر المحدد عند مستوى 1.25 دولار في اليوم 46 مليوناً عما كان متوقعاً قبل تفجر الأزمة في 2007م. وهذا عدا 53 مليوناً سيظلون يعيشون على أقل من دولارين في اليوم. وأضافت الدراسة أن الأرقام السابقة لا تشمل ما بين 130 مليون شخص و155 مليوناً سقطوا في براثن الفقر في 2008م بسبب ارتفاع أسعار الغذاء والوقود([6]). ويقول رئيس البنك الدولي روبرت زوليك في بيان "في حين أن معظم العالم يركز على عمليات إنقاذ البنوك وبرامج التحفيز، لكن ينبغي ألا ننسى أن الفقراء في الدول النامية أكثر عرضة للخطر إذا انهارت اقتصاداتهم" وواقع الفقر هذا لم يطل البلدان التي يسمونها نامية فقط، بل طال حتى الأفراد في الدول الأوروبية وأميركا، إذ بلغت طلبات الإعانة الحكومية في أميركا أكثر من 12 مليون طلبا، أما أرقام البطالة فصارت بالملايين هي الأخرى، وعلى سبيل المثال فقد تم في أميركا تسريح أكثر من 6 ملايين عامل منذ نهاية عام 2008م
ولازال تسريح العمال بمئات الآلاف كل شهر جارياً، طبعا كل ذلك عدا عن إغلاق الكثير من المصانع الكبرى وأفرعها وتوقيف خطوط الإنتاج وتسريح الملايين من العمال في أوروبا وأميركا، وإفلاس شركات كبرى
*إذ أفلس حوالى 37 بنكاً في أميركا منذ بداية 2009م فقط، ويكفي إعلان إفلاس شركه جنرال موتورز 1/حزيران 2009 تلك الشركة التي كانت رمزاً لقوة الاقتصاد الأميركي وعملاقا في صناعة السيارات الأمريكية فكانت توزع على 120 بلدا لنرى إفلاس وسقوط كل ما فاخرت به الرأسمالية. ثم إن الدول والحكومات لم تكن أمثل حظاً من الأفراد، إذ إن خطط الإنقاذ العملاقة أو بمسماها الحقيقي خطط الترقيع الهائلة لعورات نظام لا يمكن ستره قد أنهكت هذه الدول وأعيتها، وليس الأمر بحاجة لكثير من التفصيل إذ إن أميركا على سبيل المثال فاق دينها العام 13 تريليون دولار، وحسب توقعات بن برنانكي  رئيس البنك المركزيالأمريكي , فإن الدين العام سيرتفع ليشكل حوالى 70% من الناتج المحلي الكلي عام 2011,وقال في 5 ت1 2010  إن العجز في الميزانيةالأمريكيةهوتهديدحقيقي ومتصاعد، وإن الآمر سيتطلب "تضحيات وهو الأمر الذي له تبعاته في إمكانية الدولة لاحقاً في تنفيذ سياساتها المالية وإنفاقها العام.
وشهد شاهد من أهلها إذا كانت المحاكمة الفكرية للمبدأ الرأسمالي ترى بطلان الأساس الذي قام عليه وكذلك التفاصيل، وإذا كان الواقع ينطق بفساد معالجاته وبؤس البشر في ظلها، فكيف إذن إذا كان ما سبق مشفوعاً بشهادات أصحاب هذا المبدأ فيه، وخاصة المدافعين عنه ورموزه، ولا نقول الفرد البسيط المتضرر أو المفكرين أصحاب الآراء الحرة، فهذا ساركوزي مثلا يصف الرأسمالية القائمة على المضاربة المالية بأنها «نظام غير أخلاقي» تسبب في «انحراف منطق الرأسمالية»، ويقول بأن «الرأسمالية لا بد أن تبحث عن قيم أخلاقية جديدة». أما بلير فقد دعا إلى نظام مالي جديد «يستند إلى القيم وليس الرغبة في تحقيق أعظم ربح ممكن في أقصر وقت». ثم هذا هو بوش يقول «لقد تخليت عن مبادئ اقتصاد السوق لإنقاذ نظام اقتصاد السوق». وحين سئل روبرت زوليك رئيس البنك الدولي عما إذا كانت الدول النامية ستواصل الإيمان بالسوق الحرة بعد هذه الفوضى، أجاب: «إن الناس نتيجة هذه الأحداث الصادمة قد صارت مشوشة، ليس فقط في البلدان النامية، بل وفي المتقدمة أيضاً»([7]). ويكفي اعترافات آلان غرينسبان الرئيس السابق لهيئة الاحتياط الفيدرالي الأميركية، الذي أقرّ بأنه أخطأ عندما وضع ثقته في أن الأسواق الحرة من الممكن أن تنظم نفسها دون أن تخضع للإشراف الحكومي، مع العلم أنه ظل يقاوم هذا التدخل على مدار ثمانية عشر عاماً قبل أن يغادر منصبه عام 2006م. بل إن الأمر لم يقتصر على وصف النظام برمته بل تعداه للكلام عن تفاصيل، يقول الكاتب الألماني جوهان فيليب مزايهرفون خبير البنوك ومدير بنك في فرانكفورت في كتابه- كارثة الفائدة -: «ومع استمرار وجود الفائدة تزداد المديونية وعدد العاجزين عن السداد، و نصل إلى ما يمكن أن نطلق عليه stagflation وهي الحالة التي نعيشها الآن كالشخص المشوه، وتنخفض الفائدة ببطء للأسف، ولكن تزداد حالات الإفلاس. كل حالة من حالات الإفلاس تعني تدمير مزيد من النقود وبالتالي تحقيق الاستقرار المنذر. وتتأجل الكارثة بسبب... الإفلاسات المتكررة... حتى نصل إلى كارثة اقتصادية سببها الفائدة المرتفعة لفترة طويلة، فكارثة الفائدة للكثيرين تؤدي إلى كارثة اقتصادية للجميع... لقد أصبح حالياً تفادي الكارثة غير ممكن... وستأتي نتيجة السياسة الاقتصادية الخاطئة التي تعتمد على نظام الفوائد، وهذه السياسة هي المسؤولة عن الكارثة.
 
*استفراغ النماذج واستهلاك الرأسمالية لِنُسَخِهَا:
ليبراليةكانت أو كينزية ، فقد استفرغت الرأسمالية نماذجها، ومع كل أزمة تضطر أن تغير مدرسة اقتصادية ونموذجاً جديداً، إلا أن الأزمات فيها تتواصل وتتعمق والفوارق تزداد، والشرر أصبح يطال الأغنياء والفقراء، ولم يعد يجدي نفعاً تغيير النماذج؛ وذلك ببساطة لأن المشكلة ليست أيّ النسخ هي التي تطبق من الرأسمالية، بل المشكلة هي الرأسمالية نفسها، وأي نموذج منها فانه سيبقى يتعامل مع الأزمة بالطريقة نفسها، إنها بالنسبة لهم أزمة رأس المال ومعه أصحابه وليست أزمة الإنسان، والدليل على ذلك واضح وهو أن الرأسمالية سواء كان نموذجها قديماً أو حديثاً فإنها تخدم رأس المال والأغنياء، وتجعل الغالبية وهم بقية الشعب والفقراء ممن لا يملكون رؤوس الأموال على هامش هؤلاء، لأن العمال والعمالة هم ملحق لعملية إنتاج المصانع والشركات واستثمارات الأموال، فهم شيء تابع لعمليات جني الأرباح من الإنتاج من قبل الأغنياء، وعندما يتحول السوق إلى أنشطة مالية بحتة في سوق المال فإن هؤلاء يخرجون من الصورة؛ لأننا لم نعد نتكلم عن الإنتاج والتشغيل والاستهلاك وإنما عن الأرباح فقط، وحتى عندما تحدث الهزات والنكبات ويأتي دور الدولة للتدخل فان الحديث عن أنه تدخل لتقليل البطالة وتحسين أوضاع الفقراء كذب صريح وتضليل واضح، إذ لم تتدخل أميركا مثلاً عندما حصلت أزمة المساكن(الرهن العقاري) واستشرت وأصبحت العائلات تنام في السيارات والشوارع وخاصة في ولاية أريزونا الأكثر تضررا لذا كان الإعلان من الرئيس أوباما من هذه الولاية عن تخصيص مبلغ 75 مليار دولارا عام 2009 ، وفي المقابل، تدخلت بمئات المليارات لإنقاذ البنوك وصناعة السيارات بحجة البطالة وتقليلها، أو حتى بدون تلك الحجة، بل إنهم يتكلمون بصراحة عن أن عنايتهم بالمال ليصل ليد الفرد العادي إنما هو من أجل إعادة القدرة على الاستهلاك، وبالتالي إعادة تحريك عجلة الإنتاج وإعادة التشغيل ورفع نسبه النمو.
 
*ما بين إفلاس الرأسمالية وسقوطها (الإسلام يتقدم): Every Cloud has a silver lining
إن للرأسمالية قدرة على المناورة والبقاء ولو لفترة وفق آليات ومعالجات داخلية خاصة ومتبدلة، والاستفادة من التطور العلمي المستمر والخارق، ونتيجة للإمكانات الهائلة التي يوفرها النهب والاستغلال الداخلي والخارجي للشعوب والأمم والبلدان الأخرى، وبسبب قذارة ووحشية الأساليب المستخدمة في الصراع والبقاء، ولذلك كله، فإننا عندما نتكلم عن إفلاسها كحضارة فإننا لسنا بالضرورة نتكلم عن سقوط فوري، لا شك أنها تترنح ولكن دولها لازالت قائمة وكذلك هيكلها العام وإن أصبح خاوياً، وسقوطها مع سقوط كياناتها سقوطاً مادياً محسوساً قد يعتمد على أمور أخرى إضافة لإفلاس النظام ذاته، وإن كان هو من أهمها، غير أن ذلك لا يعني أن العالم لم يضق بها ذرعاً. إن الفقر والبطالة والجشع ومص الدماء قد أصبحت موضع سخط الشعوب، وكلمة الرأسمالية أصبحت رديف كل شر، هذه الحالة ليست الشعوب الغربية بمعزل عنها ولم يكن بمعزل عنها مظاهرات الملايين في شوارع فرنسا، وإذا كانت شعوب العالم قد ضاقت بالرأسمالية ذرعاً، فإن الأمة الإسلامية خصوصاً تضيف الآن إلى ذلك سعيها لإسقاط هذا النظام وإيجاد الإسلام مكانه، وقد باتت على وشك تحقيق ذلك بإذن الله، وإن الإفلاس الحضاري للرأسمالية ونقمة الشعوب عليها يقابلها الآن صعود الإسلام، إذ إنه مع كثرة الانتقادات التي وجهت للرأسمالية وخاصة في الأزمة المالية العالمية الأخيرة فقد صاحب ذلك ذكر الإسلام وتذكير بمبدئه ونظامه الاقتصادي، ولم يقتصر الأمر على طغيان ساحق لهذه الفكرة بين المسلمين في البلاد الإسلامية، وإنما تجاوز الأمر ذلك ليكون هذا الطرح من قبل مفكري الغرب أنفسهم واقتصادييه، سواء أكانت الدعوات لتناول أحكام الإسلام عموماً ومراجعة أنظمته الاقتصادية، أم كانت لتناول بعض أحكامه، أو حتى المشابهة لبعض المؤسسات المصرفية التي تطرح على أنها مؤسسات إسلامية مع ما في هذا النموذج من نقص. فمثلاً رئيس تحرير مجلة تشالينجر يوفيس فانسون كتب في افتتاحية المجلة من عدد أكتوبر الماضي مقالاً بعنوان" البابا أم القرآن" أثار موجة عارمة من الجدل في الأوساط الاقتصادية تساءل فيه عن "أخلاقية الرأسمالية؟" ودور المسيحية كديانة والكنيسة الكاثوليكية بالذات في تكريس هذا الاتجاه والتساهل في تبرير الفائدة، مشيراً إلى أن هذا النسل الاقتصادي السيئ أودى بالبشرية إلى الهاوية". وتساءل الكاتب عن موقف الكنيسة مستسمحاً البابا قائلاً: "أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن بدلاً من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا؛ لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات، وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري؛ لأن النقود لا تلد النقود". وفي الإطار ذاته ولكن بوضوح وجرأة أكثر، طالب رئيس تحرير صحيفة (لوجورنال دي فاينانس) رولان لاسكين في مقال له بعنوان "هل تأهلت وول ستريت لاعتناق الشريعة الإسلامية" طالب بضرورة "تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حد لهذه الأزمة التي تهز أسواق العالم من جراء التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة". ومثل هؤلاء كثير لا يتسع المقام لذكرهم ولم تكن صحيفة  Observatory Romano التابعة للفاتيكانآخرهم ولكن قد تكون أكثرهم لفتاً للنظر في مقال بعنوان "مقترحات وأفكار من النظام المالي الإسلامي إلى الغرب المتأزم» أشارت فيه إلى حرمة الربا في الإسلام، ونوهت إلى أنه لا يمكن استخدام المال بحد ذاته كسلعة تدر أموالا أخرى، على حد تعبيرها.
الاقتصاد الإسلامي جزء من مشروع الأمة في غمرة الأزمة المالية والجدل الهائل الذي دار حولها على مستوى العالم، وبروز الإسلام في كثير من تلك السجالات على أنه البديل، كان يطرح غالباً سؤال هو: أين النظام الاقتصادي في الإسلام؟ وكيف يمكن تناوله كوصفة للعلاج؟ وهل طرحه هو مسألة نظرية فقط؟ وهنا فإن ما لا بد من ذكره هو أن النظام الاقتصادي في الإسلام تجاوز بكثير مسألة أن يكون طرحاً فكرياً مجرداً، بل إنه بات مع أنظمة الإسلام الأخرى مشروعاً لنهضة الأمة يعمل عليه المخلصون من أبنائها ليل نهار، تلك الأمة التي صارت تنتظر اللحظة التي يطبق فيها الشرع ويعاد الحكم بأنظمة الإسلام جميعها بفارغ الصبر، ومن هنا فإن تباشير أن يحل الإسلام مشكلة العالم الاقتصادية باتت قريبة بإذن الله، لأن تطبيقه ليس برنامجاً حكومياً لحكومة من الحكومات تسن منه بعض القوانين، ولا هو مجموعة لوائح تتبناها مؤسسة اقتصادية، ولا بعض أحكام تنضبط بها شركة هنا أو بنك هناك، وإنما هو كما سبق ذكره مشروع لأمة تتعبد ربها من خلال تطبيقه، وتعمل من خلاله على تحرير نفسها والانعتاق من سيطرة الرأسمالية عليها.الإسلام هو الذي يليق بقيادة البشر ، ذلك أنه من عند الله خالق البشر والعالِم بما يصلح لهم دنياهم وآخرتهم،فالإسلام لم ينظر للمشكلة الاقتصادية إلا على أنها مشكلة إنسانية، فنظر للإنسان بإنسانيته وفرديته، فكان هو موضوع معالجاته ومحور البحث فيه، ولم يجعل الإنتاج ولا الأرباح ولا الأموال ورؤوس الأموال إلا تبعاً للإنسان وحاجاته وليس العكس، أي لم يكن الإنسان فيه ضائعاً في ثنايا المال.
-        والإسلام كذلك أعد إنساناً فريداً وفرداً مميزاً ليس لديه اضطراب في القيم، يأخذ من الدنيا التي سخرها الله له حلالاً بأبعد ما يكون عن الجشع والأنانية، فيحقق قيمة مادية في السعي ويحرص على تحقيق القيمة الروحية بالعطاء والإنفاق.
-        و أعد مجتمعاً مميزاً ينظر الكل فيه للآخر نظرة الأخ للأخ، وهو مجتمع تمت صياغته على أساس أن المسؤولية عن الغير من أهم السجايا، فليس فيه فرد مكشوف الغطاء ينهش منه الفقر والعوز.
-        ثم وزع الثروة بنظام فريد، فضمن الحاجات وإشباعها بنظام فريد لا يسع المدقق فيه إلا أن يقول: سبحان الله، إنه حقاً نظام من عند الله، ورتب الملكيات كذلك بشكل لا يبقى معه شقي ولا محروم إن وجد، ورعى شؤون الغني والفقير، وكانت الدولة فيه مظلة واسعة للناس والرعية عيالها.
-        ثم جاءت أحكام الإسلام بشكل يقي وقوع الهزات، فلا توجد أزمات اقتصادية يسببها النظام أو أي شيء فيه، فلا وجود فيه لأزمات كالتي يشهدها العالم اليوم، و قد وضع للنقد نظاماً جعل أساسه مالاً حقيقياً هو الذهب والفضة، ونظم الملكيات وضبط أحكام الشركات، وأحكام التجارة الخارجية، وحرم استثمار المال بطرق غير مشروعة تلك التي شكلت أساساً لأزمات عصرنا الآن كالربا والاحتكار والشركات الباطلة وأسهمها...
-        نظر الإسلام لبقية العالم على أنه مكان لحمل الإسلام ودعوة الخير، فمن دخل في الإسلام من الشعوب قاسم المسلمين في خيري الدنيا والآخرة، فلم يجعل الاعتبار الأول للميزان التجاري سواء حقق عجزاً أم فائضاً، ولم يقم علاقته على نهب الشعوب ومص دمائها.
ومن هنا كان الإسلام جديراً بأن يكون نظامه الاقتصادي هو أساس العلاقات، وبأن تكون حضارته هي التي تظلل العالم، عوضاً عن أن تكون المبدأ المسير لحياة أفراد المسلمين فقط، ولأن الإسلام بنظامه الاقتصادي أكبر من أن يكون بضعة أحكام لبنك أو مؤسسة أو شركة، فقد كانت صورته الصحيحة الكاملة أنه نظام لتوزيع الثروات كي لا يكون دولة بين أيدي الأغنياء، وتنظيم الملكيات وأساس للنقد وأحكام التجارة الخارجية مما لا يسعه ولا يوجده مطبقاً إلا أن يتمثل في إطار منظم، فيكون النموذج الحي لما نطرحه من كون الإسلام حلاً لمشاكل الاقتصاد وبديلاً للرأسمالية التي تحتضر، فتطبقه حينها مع غيره من أنظمة الإسلام، وعسى أن يكون ذلك بإذن الله قريباً.
فلا الرأسمالية الكينزية ولا الاقتراب من الاشتراكية قادر على حل معضلة الاقتصاد العالمي.. لكن دعونا نعود إلى ما بدأنا به حديثنا وهو EveryCloud has a silver lining فالاقتصاد الإسلامي هو الحل لمعضلة العالم، وهو الذي بدأ الغرب بتطبيقه في هذه الفترة دون أن يشعر..
لأن الاقتصاد الإسلامي يقوم على عدة مبادئ مهمة مستوحاة من الشريعة الإسلامية التي هي في الأصل صالحة لكل زمان ومكان.. فالمشاركة بين القطاعين العام والخاص أو المشاركة بين القطاع الخاص والأفراد من خلال مبدأ تقاسم الأرباح والخسائر هو البديل للفوائد البنكية المحرمة التي كانت سبباً أساسياً في طمع وجشع الرأسمالية المعاصرة، كما أن الاستثمار لا بد أن يكون في أصول ملموسة ومضمونة لا في منتجات مالية ورقية خيالية معقدة كالتي طورتها البنوك الاستثمارية وكانت السبب في خسارتها واضمحلالها.. والاقتصاد الإسلامي يحرم بيع الدين بدين ، الذي كان جزءاً من أزمة الرهن العقاري 2008وأزمة القطاع المالي الذي عصف بالعالم كله وأدى إلى انتقال الأزمة كالنار في الهشيم إلى أغلب دول العالم.. كما أن النظام الاقتصادي الإسلامي يحرم التمويل بالفوائد المحرمة وإنما يجيز التمويل من خلال صور مختلفة كالتقسيط والتورق والتأجير والمرابحة وغير ذلك...
إن الدول الغربية التي تمثل الاقتصاد الرأسمالي المعاصر اتجهت إلى إقراض البنوك والشركات المتعثرة لكن ذلك لم يؤد إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، لأن المؤسسات المتعثرة ستحصل على قروض بمعدلات فائدة مرتفعة جداً ستؤدى إلى تفاقم خسائرها مع مرور الوقت، كما حدث في صفقة تمويل شركة AIGAmerican International Groupالأمريكية أكبر شركة للتأمين على الدين في العالم، حيث لم يفلح معها حصولها على تمويل مقداره 85 مليار دولار من الحكومة الأمريكية بمعدل فائدة تبلغ 11%، لأن المستثمرين يعلمون أن هذا المعدل المرتفع من الفائدة سيفاقم خسائر الشركة في المستقبل القريب.. كما أن اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية لتأميم شركتي فاني ماي وفريدي ماك (أكبر شركتي للإقراض السكنى في الولايات المتحدة) واتجاه بريطانيا لتأميم شركة نورثرن روك وبرادفورد وهما من كبريات شركات التمويل العقاري في بريطانيا، واتجاه دول أوروبية لتأميم مصارف وشركات مالية لم يفلح في إيقاف التدهور في النظام المالي العالمي..
لكن نقطة التحول الرئيسية في هذه الأزمة بدأت منذ أن أعلنت الدول الرأسمالية الكبرى عن نيتها مشاركة البنوك المتعثرة لبث الثقة في نفوس الناس، حيث إن دعم البنوك من خلال الإقراض سيؤدى إلى مفاقمة مشاكلها.. وعملية المشاركة هذه بدأت فعلاً بإعلان الولايات المتحدة عن تخصيص 250 مليار دولار من خطة الإنقاذ المالي لدعم البنوك مقابل الحصول على أسهم ممتازة في تلك البنوك، وقد قامت أوروبا بقيادة ألمانيا وبريطانيا وفرنسا بخطوة مشابهة.. وبذلك تكون الاقتصادات الرأسمالية الغربية قد بدأت شيئاً فشيئاً بالخروج من مفاهيم الرأسمالية والاتجاه نحو مبادئ الاقتصاد الإسلامي دون أن تشعر..
                                                                                                                  نهلة عثمان زهرة
                                                                                                            مديرة ثانوية الجنان- صيدا
                                                                                                            ماجستير في الإدارة التربوية
                                                                                                            دبلوم في التاريخ
                                                                                                            إجازة في الدراسات الإسلامية
 


([1]) مارتين دودج، قاموس المذاهب السياسية ص 54-56 (تعريب: أحمد المصري، بيروت، مكتبة المعارف، د.ط، د.ت، 1ج).
([2]) فتحي يكن، حركات ومذاهب في ميزان الإسلام ص 42-43 (بيروت، مؤسسة الرسالة، ط12، 1418هـ/1997م، 1ج).
([3]) مجموعة من الباحثين، النظام الإقتصادي في الإسلام ص 47-55 (الرياض، مكتبة الرشد، ط2، 1427هـ/2006م، 1ج).
([4]) مجموعة من الباحثين، الكتاب الأسود للرأسمالية ص 152-163 (ترجمة: أنطون حمصي، دمشق، دار الطليعة الجديدة، ط1، 2006م، 1ج).
([5]) د. عبد الله شحاته
([6]) نقلاً عن وكالة رويترز للأنباء.
([7]) الواشنطن بوست، عدد 10 أكتوبر 2008م.







         مقالات مترجمة
         القائمة البريدية
         إحصائيات الموقع

عدد الزوار: 493792  

عدد الزيارات: 12482501

المتواجدون الآن: 19

  حقوق النشر محفوظة © 2014، المركز اللبناني للأبحاث والاستشارات.



Designed and Developed by

Xenotic Web Development