مخالفات "شرعية".. لا قمع ولا مَن يقمعون!

تاريخ الإضافة الجمعة 14 آب 2009 - 8:46 ص    عدد الزيارات 938    التعليقات 0

        

\"\"
 

\"\"

\"\"

حادثة الرمل العالي سيئة الذكر أدّت كما هو معروف إلى مقتل الفتيين حسين سويد (13عاماً) ومحمد ناجي (11 عاماً) خلال محاولة القوى الأمنية وقف اعمال البناء غير المشروع في تلك المنطقة من الضاحية الجنوبية. وهذا يدفع إلى فتح ملف المخالفات الهائلة هناك في ميدان البناء، وعجز القوى الأمنية الظاهر عن وقف هذه الدوامة المتواصلة. فالقوى الامنية خلال حادثة الرمل العالي، كانت تحاول تنفيذ القانون، وقد اخفقت في متابعة التنفيذ، وبالتالي استمرت التعديات على الاملاك العامة واملاك الغير، الى ان وصل عدد مخالفات البناء الى نحو 8000 مخالفة خلال 4 اعوام (حسب أرقام رسمية)، اي بمعدل 2000 مخالفة في العام الواحد. وهذا رقم مرتفع جداً لم تعرفه اي دولة في العالم.

صحيح ان الاحوال الاقتصادية في لبنان صعبة، وتكاليف المعيشية لا يمكن لذوي الدخل المحدود تحملها، لكن الغلاء يطال اللبنانيين كافة، ولا يقتصر على سكان الضاحية الجنوبية وحدهم. كذلك فإن التهجير والنزوح بين المناطق ليس حكراً على طائفة او مجموعة بعينها، وهذا كله ينسف التبرير الذي يروجه البعض لاستمرار مخالفات البناء في بعض المناطق اللبنانية.

اهالي الضاحية الذين يعيش وينشط بينهم أنصار "حزب الله" وحركة "امل"، أصابتهم عدوى المخالفات، فباتوا لا يعيرون القوى الامنية كبير اهتمام، ويمارسون "هواية" مخالفة القانون وعدم الاكتراث للسلطات الرسمية، متسلحين بحوادث حي السلم والرمل العالي ومارمخايل وما إليها... والنتائج التي أفضت إليها تلك الحوادث من حيث كفّ يد القانون والسلطة.

في المبدأ، لا يجوز للقوى الامنية مبدئياً المسارعة في اللجوء الى السلاح لفرض تطبيق القانون ولو بالقتل، قبل استنفاذ الوسائل اللينة والتفاهمية الاخرى (استخدام خراطيم المياه، القنابل المسيلة للدموع، الرصاص المطاطي). لكن شيئاً لا يبرر في المقابل تجريد العناصر الامنية من اسلحتها الاميرية واحتجازها، كما حصل قبل عامين في حارة حريك، ولا اقتحام مرآب تابع لقوى الامن الداخلي في العام 2008، ثم إعادة اقتحامه مؤخراً، وإهانة العسكريين والتعامل معهم بالشدة، كما لا يمكن أن يبرر او أن يشرّع انتشار عناصر ما يسمى "الانضباط" التابعين لـ"حزب الله" في الضاحية، كرديف أو بديل عملاني للقوى الأمنية الشرعية، واضطلاع هؤلاء العناصر بالمهام الموكلة قانوناً لهذه لقوى الرسمية، وتحت هذا الستار، تمرير آلاف المخالفات الصريحة والفجّة للقانون، في ميدان البناء وفي غيره من الميادين.

\"\"

لعل الطفرة الأخيرة لورشة الاعمار الفوضوية في أحياء الضاحية الجنوبية قد ابتدأت في مطلع تشرين الثاني 2006، ثم راحت تتمدد رويداً رويداً الى مختلف هذه الاحياء، وسط حالة مستغربة من عدم المبالاة الظاهرة من قبل القوى الامنية. كل هذا يحدث فيما لا تزال حادثة الرمل العالي ماثلة في الاذهان.

وبفعل ذلك التسيّب سيطرت موجة البناء غير المشروع بشكل واضح على الضاحية الجنوبية لبيروت، وخصوصا في نطاق بلدات الشويفات والمريجة والليلكي وتحويطة الغدير. وشرع عشرات المقيمين في هذه المناطق، وصولاً حتى الأوزاعي والجناح، في بناء عشرات المنازل على اراضي الغير وعلى الاملاك العامة ومشاعات البلديات، في اكبر ورشة مخالفة للقانون والانظمة المرعية الاجراء، ومن دون أن يتعرّض لهم أحد، لا من قبل السلطات الرسمية وقواها الأمنية التي اكتفت غالباً بإحصاء المخالفات، ولا أيضاً من قبل جهاز "الانضباط" التابع لـ"حزب الله"، والمفترض أنه "جهاز لتحقيق الإنضباط" والحرص على كبح المخالفين وقمع المخالفات...!

والأخطر في الامر ان ورش البناء تلك لم تراعِ شروط السلامة العامة، الامر الذي دفع نقيب المهندسين السابق سمير ضومط للتحذير من المخاطر التي تتهدد القاطنين في تلك المناطق، خصوصاً وأن عمليات البناء تفتقد الى ادنى المواصفات الهندسية، وهي تتم في رقعة جغرافية ضيقة، وسط ازدحام سكاني لافت بشكل يعرض المباني التي تقوم بسرعة، للانهيار بسرعة أكبر في اي لحظة.

\"\"

في العام الفائت تناقلت الألسن ووسائل الإعلام حادثة حاولت خلالها دورية من قوى الامن الداخلي ان تزيل احدى الغرف غير الشرعية في منطقة "حرش القتيل" قبالة السفارة الكويتية، فتصدى لها عدد من المسلحين واطلقوا النار على عناصرها، فأصيب رئيس الدورية (وهو برتبة نقيب) واضطرت الدورية الى الانكفاء والعودة على أعقابها. اما في منطقة الليلكي فلجأ بعض الاهالي الى التهديد بقاذفات الـ"آر.بي.جي"، ما اجبر القوى الامنية التي حضرت لإزالة المخالفات، على مغادرة المنطقة.. مكتفية بالسلامة.

\"\"

قد يُقال إن المخالفين هم من الفقراء والذين لا يستطيعون شراء شقق جديدة لاولادهم، مما يدفعهم الى تكبير منازلهم عبر اضافة غرف جديدة من دون ترخيص. لكن الامر على أرض الواقع يبدو على خلاف ذلك تماماً، حيث إن غالبية من يقومون باعمال البناء المخالف للقانون هم من الموسرين والنافذين، ويعمدون الى تاجير الشقق والمحال التجارية التي يقيمونها على نطاق واسع وببدلات مجزية، وهم يعملون براحة واطمئنان، مستندين إلى غطاء سياسي وأمني من الجهات الحزبية التي تحكم سيطرتها على الارض.

\"\"

قرب ساحة الليلكي ينكب عشرات من العمال السوريين حتى ظهور هذا التحقيق، على انجاز المباني غير الشرعية التي تتنامى كالفطر، ليل نهار، وسط اقبال شديد على البناء من قبل القاطنين في هذه المنطقة. وفي شارع متفرع من الساحة الرئيسية، تنشط حركة الشاحنات التي تنقل مواد البناء، وترتفع الغرف بطريقة فوضوية لا تراعي أصول البناء السكني السليم على الإطلاق.

المشهد لا يختلف في صحراء الشويفات وحي السلم وبعض اطراف المريجة.
وفي جولة على هذه المناطق، التقينا أحد المواطنين، وهو فضل عدم التحدث في الموضوع مكتفياً بكيل الشتائم للحكومة.
ولدى استفسارنا عن ورشة البناء قرب منزله أوضح قائلاً: "ليس لدينا الاموال لشراء شقة جديدة لولدنا البكر الذي يتهيأ للزواج في الشهر المقبل، لذلك قررت العائلة بناء غرفتين ومنافعهما على سطح المنزل الذي نقيم فيه في الليلكي منذ اكثر من 3 عقود، لنتيح للشاب مباشرة حياته الزوجية".

تسمع... فتحتار.
تحاول التفكير بحل للمعضلة، فتعجز... وقبل ان تستسلم للأمر الواقع الذي استسلمت له أجهزة "الإنضباط" (الرسمية منها والحزبية)، لا تجد في بالك سوى سؤال محبط: تُرى أي غد ينتظرنا في هذا البلد..؟

منال صقر...موقع لبنان الأن..

..Lebanon: A State on the Brink

 الخميس 27 كانون الثاني 2022 - 6:30 م

..Lebanon: A State on the Brink   "I don't have any prospects for my future anymore". "It has … تتمة »

عدد الزيارات: 83,139,539

عدد الزوار: 2,060,115

المتواجدون الآن: 66