الإيغور.. شعب يتمرد خوفا من الانقراض

تاريخ الإضافة الأحد 26 تموز 2009 - 7:28 ص    عدد الزيارات 1091    التعليقات 0

        

نيودلهي: براكريتي غوبتا
تمكن مسلمو الإيغور الذين لم يكونوا معروفين على نطاق واسع، من أسر انتباه العالم من جنوب الباسيفيك إلى البحر الكاريبي ووصولا من قلب آسيا الوسطى إلى عواصم الدول الأوروبية الكبرى. وقد جذب مسلمو الإيغور الذين يعيشون في ركن ناء داخل الصين، انتباه العالم بعد أعمال العنف وأحداث القتل التي وقعت في مدينة أوروميتشي عاصمة إقليم شينجيانغ الواقع شمال غرب الصين. ووقعت هذه المصادمات بداية الشهر الجاري بين مسلمي الإيغور والهان الذين يمثلون أغلبية في الصين، وسقط خلال هذه المصادمات 184 قتيلا على الأقل. وتقول بكين إن معظم الإصابات تقع بين الهان الصينيين، ولكن يشكك الإيغور في ذلك. يعد إقليم شينجيانغ الإقليم الوحيد في الصين الذي توجد به أغلبية مسلمة من الإيغور، وهو شعب تركي يتحدث لغة تركية ويستخدمون حروف هجاء تعتمد على اللغة العربية، ولا يبدو عليهم أنهم صينيون. وتظهر الدراسات الجينية على الإيغور امتزاجا بين سمات انثروبومترية شرقية وغربية حيث توجد نسبة 60 في المائة من السلالة الأوروبية و40 في المائة من السلالة الشرق آسيوية (الأتراك والهان). وقد كان هذا الإقليم موطنا للإيغور على مدى 2000 عام على الأقل، وبقي دولة حرة تتمتع باستقلالية خلال معظم الفترات. ولكن يزعم الصينيون أن إقليم شينجيانغ الذي كان يطلق عليه في السابق تركمانستان، هو جزء لا يتجزأ من الصين منذ قديم الأزل. وتقليديا، يتبع الإيغور مزيجا معتدلا من المذهب السني الإسلامي والصوفية المتأثرة بدرجة كبيرة بالتقاليد الريفية المحلية. ويختلف إقليم شينجيانغ عن معظم باقي الصين، حيث نجد أن سماء هذا الإقليم لا تنتشر فيها الأسقف التقليدية المائلة المعروفة داخل المدن والأقاليم الصينية، ولكن تظهر فيها الأبراج والأقبية الإسلامية، ولمعظم المباني الأقدم شرفات على غرار النمط الفارسي التركي المهيب وتزينها أعمار مزركشة، ويرتدي الرجال قبعات مطرزة لا حواف لها. ويتحدث القليل من الإيغور داخل الإقليم اللغة الماندرية، ويتعلمون في مدارس الإيغور. ويعيش المواطنون في مناطق مزدحمة داخل منازل من القرميد المصنوع من الطمي تشبه مباني العصور الوسطى، ويبدو ذلك متناقضا مع المجمعات السكنية الحديثة التي بنيت من القرميد الأبيض والمخصصة للمهاجرين الصينيين. وكما هو الحال مع التيبت، تمتع إقليم شينجيانغ بفترات متقطعة من الاستقلال والحكم الذاتي حتى 1949، عندما صعدت الحكومة الشيوعية في الصين إلى سدة الحكم ببكين. وكما هو الحال مع التيبت، ضم ماو تركمانستان الشرقية «كمنطقة ذات حكم ذاتي» تحت الجمهورية الشعبية الصينية. ومنذ عام 1955، أصبح يطلق على المنطقة التي تبلغ في حجمها حجم أوروبا الغربية، إقليم شينجيانغ. وكما هو الحال مع التيبت، فإن المنطقة تتمتع بصفة الحكم الذاتي على الورق فقط، ولكن يبدو الواقع مختلفا مع 10 ملايين من الإيغور يعيشون داخل الإقليم. وبعد احتلال الإقليم في الخمسينات من القرن الماضي، بدأ النظام الشيوعي استراتيجية تم إعدادها بصورة جيدة لتغير ديموغرافيا المنطقة ومنح حوافز للصينيين من الهان مقابل الاستيطان في شينجيانغ في إطار عملية استعمار لضمان السيطرة على هذه المنطقة واستغلالها، ومنذ ذلك الحين، تصل دفعات من المهاجرين الهان إلى إقليم شينجيانغ. وتشير الإحصاءات الرسمية لعام 2007 إلى أن الإيغور يمثلون الأقلية الأكبر في إقليم شينجيانغ حيث يبلغون قرابة 50 في المائة من سكان الإقليم، على الرغم من أن ذلك يعد تراجعا حادا مقارنة بنسبة 95 في المائة سجلت للإيغور عندما سيطر الشيوعيون في 1949، ويعد ذلك نتيجة عملية استيطان واسعة النطاق داخل المنطقة. وتعد حاليا أعداد الإيغور والصينيين الهان متساوية تقريبا. وقد أدت عملية الهجرة التي يقوم بها الهان إلى المنطقة حيث يحصلون على أفضلية للوظائف الحرفية وغير الحرفية، إلى تعزيز عملية تهميش الإيغور ولاسيما بين الذكور العاملين الشباب. وتجمع تضاريس الإقليم بين كل شيء بدءا من الأراضي العشبية إلى الصحارى التي تنتشر فيها الواحات. ويتمتع إقليم شينجيانغ بمنطقة ريفية توجد بها موارد واسعة، ويوجد في الإقليم الكثير من موارد المياه حيث يحتوي على 320 نهرا و100 بحيرة وأكثر من عشرة آلاف نهر جليدي. وهناك أيضا 25 ألف مليون متر مكعب من المياه الجوفية في المنطقة، بالإضافة للعديد من أنواع المعادن بما فيها «الفحم والنفط والحديد والمنجنيز والكروم والرصاص والبيريليوم والليثيوم والميكة البيضاء والحرير الصخري والكريستال الصخري» علاوة على كمية كبيرة من احتياطي النفط والغاز الطبيعي. وتقول ربيعة قدير، التي تعتبر بمثابة زعيمة الإيغور، وتعيش في الولايات المتحدة، إن السلطات الصينية هي المسؤولة عن أعمال الشغب التي ظهرت. وتقول: «كل ما تريده الصين هو المنطقة وليس الإيغور الذين هم الأصحاب الحقيقيون للأرض. وتنظر الحكومة الصينية إلى الإيغور على أنهم مصدر إزعاج بل وتهديد إلى الوحدة القومية للصين مثلما هو الحال مع التيبت. وعليه، فإنهم يخططون للتخلص من شعب الإيغور بصورة تدريجية عن طريق عملية إبادة جماعية ثقافية داخل شينجيانغ. وعندما نقاوم هذه السياسات التي تفتقر إلى العدالة، تصف الصين الإيغور بأنهم (إرهابيون) و(انفصاليون) و(متطرفون إسلاميون)».

ومن أجل منع حدوث انتفاضة من أجل الاستقلال بين السكان الأصليين في المنطقة، اتخذت الصين إجراءات من أجل طمس لغة ودين وتقاليد الإيغور، حيث يجري اضطهاد الإيغور بأقصى قدر ممكن ويعيشون في أقل مستويات العيش. وينعم إقليم شينجيانغ بثراء في الموارد الطبيعية، وهذا هو السبب الرئيس الذي جعل الصين تسعى إلى السيطرة عليه بقبضة حديدية. وهناك عملية تغيير غير عادية في المنطقة بسبب الاستثمارات الاقتصادية والتنمية في البنية التحتية، بهدف السيطرة على المعادن المنتشرة في الإقليم ومخزون النفط ودمج المنطقة بدرجة أكبر في الصين. ويعتقد مواطنو الإيغور إنهم لا يستفيدون من ذلك مثلما استفادت الأعداد الكبيرة من المهاجرين الهان الذين يعيشون في وطنهم. وتتاح الكثير من المزايا، مثل حوافز توظيفية، أمام الصينيين العرقيين ولا يتاح مثل ذلك أمام الإيغور. ومعظم المسلمين في المنطقة عبارة عن مزارعين، يحصلون على دخل سنوي يبلغ في المتوسط 120.50 دولار. ومن ناحية التعليم والصحة والعدل، نجد أن الإيغور أقل كثيرا من الهان من ناحية مستوى المعيشة وحتى أقل من معظم الأعراق المسلمة الأخرى في المنطقة. (وتوجد سبع أقليات أخرى مسلمة رسميا في شينجيانغ، تضم أكثر من مليون من الكازاخ و500,000 من الهوي، بالإضافة على القرغيز والأوزباك والطاجيك وآخرين).

وتعد الانتفاضة الأخيرة، موجة أعمال العنف الأسوأ في شينجيانغ منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية (التي سوف تحتفل بعيد ميلادها الستين العام الحالي)، ولا ترتبط الانتفاضة بالانفصال أو الإرهاب أو الدين الإسلامي. بيد أنه لا فارق كبيرا لدى الصين بين الانفصاليين والإرهابيين وناشطي حقوق الإنسان، سواء كانوا من الإيغور أو التيبت أو تايوان أو طائفة فالون غونغ. وبعد أعمال الشغب التي وقعت في التيبت العام الماضي، بدأ العالم ينظر إلى أن إقليم شينجيانغ يواجه العديد من المشاكل المرتبطة بالسيادة والحكم الصيني، وأن هذه المشاكل ذات صلة بالعدالة المجتمعية والعلاقات الإثنية والفرص المتساوية أكثر منها مرتبطة بنزاع ديني محدد.

وبالنسبة للإيغور الذين روضوا الصحراء وأنشأوا مدنا تجارية كبيرة على امتداد طريق الحرير، فإن الشيء الوحيد الجديد في هذه الحدود هو وصول الصينيين في أعداد كبيرة. وحتى وقتنا هذا، يعيش سكان مناطق صحراوية مثل خوتان وكورلا مثلما كانوا يعيشون قبل قرون، حيث يقومون بتمرير المياه في قنوات مائية إلى الحقول التي تزدهر بالعنب والمشمش. وقد تم ترتيب النظام التعليمي في شينجيانغ عن عمد للإبقاء على الإيغور متمتعين بأكبر قدر ممكن من الجهل. وتُحظر هناك المدارس الإسلامية التقليدية. وتعتقد السلطات الصينية أن بإمكانها استيعاب المؤمنين عن طريق محو نظامهم العقائدي وفرض القيود على نظام التعليم. ويقدر أن نحو 60 في المائة من البالغين في شينجيانغ يعانون من الأمية، ولا يستطيع الإيغور تحمل مصاريف التعليم العالي لأن معظمهم يعودون إلى عائلات فقيرة. ويتم تدريس نحو 70 في المائة من المواد الدراسية باللغة الصينية، وهو ما يمثل مشكلة كبيرة للإيغور الذين لا يتحدثون اللغة الصينية على نطاق واسع. وبعد أن يتخرج الإيغور الذين يذهبون إلى مدارس لغات صينية، لا يمكنهم تحدث لغتهم الأهم بصورة جيدة ويستخدمون كلمات صينية باستمرار وينسون تقاليد الإيغور. وعندما يكتب أكاديمي من الإيغور عن تاريخ وثقافة وحضارة الإيغور، يتهم بأنه يروج لـ«قومية» و«انفصالية» وأنه «يعرض وحدة شعب الصين والوطن العظيم للخطر». ويتم معاقبة الأكاديميين وتمنع أعمالهم وتغلق دور النشر. وتكشف المخطوطات والوثائق التي اكتشفت في شينجيانغ عن الحضارة الكبيرة لدى الإيغور. وقد تراجعت هيبة الإيغور وسطوتهم وحضارتهم الكبيرة، التي سيطرت على آسيا الوسطى على مدى أكثر من 1000 عام، بدرجة كبيرة بعد غزو المانشو لوطنهم. وقد كان للإيغور بصمة دائمة على ثقافة وتقاليد شعب آسيا الوسطى على مدار التاريخ.

ومنذ القرن الحادي عشر، بدأ الإيغور في استخدام حروف تعتمد على اللغة العربية مثل تلك التي تستخدم مع اللغة الفارسية والأوردية، وبدأوا في التعود على كتابة اللغة التركية. وبعد ذلك استخدموا شكلا فارسيا متأثرا بدرجة كبيرة باللغة التركية يعرف باسم لغة جفتاي داخل شينجيانغ ومناطق أخرى. ولدى الإيغور معرفة كبيرة بالطب والممارسات الطبية المتنوعة، وفي الوقت الحالي، تستطيع الحصول على الأدوية الطبية الخاصة بالإيغور داخل أكشاك في الشوارع. ومثلما هو الحال مع الطب التقليدي، يتم التشخيص عن طريق فحص النبضات والأعراض وتاريخ الأمراض وبعد ذلك يقوم الصيدلاني بوضع أعشاب جافة مختلفة ويصنع أدوية خاصة حسب الوصفة الطبية. ولدفع الشباب إلى عدم اتباع ثقافتهم الإسلامية التقليدية، تحظر الحكومة على الأطفال دخول المساجد ودراسة الدين الإسلامي أو الاحتفال بالأعياد الإسلامية. وتقول تقارير إعلامية إنه خلال شهر رمضان، تولي المدارس اهتماما خاصا لضمان أن جميع الطلاب يأكلون. ولا تسمح الحكومة للشباب بتربية لحاهم وإن قاموا بذلك يتم إرسالهم إلى معسكرات العمالة الجبرية. ولإقليم شينجيانغ أهمية استراتيجية كبيرة للصين، حيث تجرى التجارب النووية في سلسلة لوب نور، كما أن كمية كبيرة من الموارد المعدنية للصين توجد في هذه المنطقة، بما في ذلك 38 في المائة من احتياطي الفحم و25 في المائة من احتياطي النفط والغاز الطبيعي. ويستوعب الصينيون بدرجة كبيرة الأهمية الاستراتيجية التي يتمتع بها إقليم شينجيانغ في آسيا الوسطى حيث توجد للإقليم حدود مشتركة مع مانغوليا وروسيا وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأفغانستان وباكستان والهند وقد أصبح يتمتع بأهمية للمصالح الجيوسياسية الصينية في هذه المناطق حيث تتمتع الولايات المتحدة بنفوذ. وتشعر بكين بالقلق من أن تفكيك الاتحاد السوفياتي وظهور دولة مستقلة يمكن أن يدفع الإيغور إلى إعادة بناء تركمانستان الشرقية. وقال تقرير أصدرته منظمة «هيومان رايتس ووتش» عام 2005: «تقوم الصين بطمس السمة المسلمة على المنطقة من أجل أسباب اقتصادية بالأساس». وتعظم الفجوة في الدخول من التوترات العرقية القائمة منذ فترة طويلة بين أقليات الإقليم. والحقيقة هو أينما تجد مالا تجد هان وحيثما تجد فقرا يكون هناك إيغور. ويخشى الكثير من الإيغور من تلاشي ثقافتهم التركية الفارسية، ومعها لغتهم. وقد ظهرت العديد من التنظيمات الانفصالية مثل حزب تركمانستان الشرقية الإسلامي. ومنذ سبتمبر (أيلول) 2001، استخدمت الصين الحرب التي تقودها الولايات المتحدة على الإرهاب كمبرر لاضطهاد الإيغور، وقامت بمقاضاة الكثيرين الذين يحتجون على ممارساتها بصورة سلمية. ويقول سريرام تشوليا، الأستاذ المساعد بكلية الحقوق جندال غلوبال في سونيبات بالهند: « مثّلت عمليات نقل السكان القسرية وسيلة دائمة تمكنت من خلالها الصين مد سيادتها على الأراضي والشعوب على حدودها الغربية بآسيا الوسطى. ولكن تدفع هذه الطريقة الأقليات إلى الانتفاضة والتمرد من حين لآخر بسبب الخوف من انقراض مجتمع كامل لديه سمات ثقافية خاصة».

..Lebanon: A State on the Brink

 الخميس 27 كانون الثاني 2022 - 6:30 م

..Lebanon: A State on the Brink   "I don't have any prospects for my future anymore". "It has … تتمة »

عدد الزيارات: 83,135,004

عدد الزوار: 2,060,066

المتواجدون الآن: 56