عكا.. مدينة تحكي قصة الصراع العربي – الإسرائيلي

تاريخ الإضافة الإثنين 13 تموز 2009 - 8:52 ص    عدد الزيارات 954    التعليقات 0

        

تسعة شهور مرّت منذ أحداث "عيد العرش اليهودي"، التي شهدتها مدينة عكا داخل الخط الأخضر في الثامن من تشرين أول 2008، يومها قامَت الدنيا ولم تقعُد. أحداثٌ ليست عادية، شَغِلت فيها الحجارة موقعًا مهمًا، حُطمت نوافذ المحال التجارية، وبمعظمها كانت لمتضررين من السكان العرب، اعتداءات طالت بمعظمها الأحياء العربية، فزحفَت أربع عشرة عائلة من بيوتها الى أماكِنَ أكثر أمانًا. أمضى العكيون شهورًا طوال وهم ينظرون بقلقٍ إلى بعضهم، قاطعَ اليهود الأسواق العكية عبر بيانات وزعت في أرجاءِ عدة من المدينة، وقررَ الفلسطينيون من مناطق الجليل مواساة أبناءَ شعبهم من عكا، فزادت زياراتهم الى المكان. اليوم تغير الحال بعض الشيء عادَ السائحون على اختلاف انتماءاتهم للتجول في سوق عكا وخارج أسوارها... فهل اكتشفَ المقاطعون أنهم أخطأوا بحق الفلسطينيين من أبناء عكا؟! أم نسِي الفلسطينيون الأصليون في عكا، التهديد الذي طالَ لقمة عيشهم؟!  وهل هناك أمل في مصالحة حقيقية بين العرب واليهود في عكا، على أسس العدل والمساواة؟! أم أنّ ما يجري من مُسايسة ومُسايرة ما هو الا هدوءٌ نسبي يسبق عاصفة أعنف من سابقتها؟ ولعرض الحقيقة كاملة تفتح "ايلاف" ملف عكا، وتعرض على قُراءها آراء مختلفة حول ما جرى وما سيكون.

\"\"

* عصام الصفصافي (صاحب مطعم) في عكا القديمة- سحب طاولة من داخل مطعمه القريب وجلس في زاوية، تحت مظلةٍ، وإلى جانبه جلس والده والأصدقاء الذين يلتمون أيام الجمعة، ليتبادلوا تفاصيل جديدة في شؤون حياتهم، ويصلون جماعة في جامع الجزار القريب، من المكان.

الصفصافي (ولد في عكا، لعائلة هُجرت من قرية الصفصاف، لتستقر بعد العام 48)، سألته عن الوضع التجاري –الاقتصادي في السوق القديمة فقال: "اقتصاديًا الوضع صعبًا، الحال خفيفة جدًا، نعم عاد الزوار ليتجولوا في عكا، لكن قلّة هم الذين ينفّعون التجار، ثم إنهم لا ينفقون كثيرًا في الشراء من السوق، ليس فقط لأنّ الوضع الاقتصادي في الدولة تضرّر، بل لأنهم لم يأتوا أصلاً للشراء، وإنما للفرجة، لأكل وجبة دسمة والمغادرة.

سألته ما هو وضع السكان الأصليين في السوق القديمة، فقال بصوتٍ مرتفع، ساخِر، ثائر: "تغيّرت الأحوال، خاصة مع سياسة الإغراء التي يتبعها السماسرة، مقترحين أن يشتروا البيوت العربية التي يبلغ ثمنها 10 الاف دولار بمبلغ 100 الف دولار، وهذا ما جعل البيوت في (قسم 10) في الفاخورة تُباع بهذه الأسعار، ليشتريها مَن يدعون أنهم طلابًا من اليهود، ونحن نعرف تمامًا أنهم يعملون لصالح أصحاب أموال من اليهود الأمريكيين، الذي يعزّ عليهم أن يروا ملامح عكا، عربية، تشبه ملامح أهلها"...

حول الطاولة، التي جلسنا حولها في زاويةٍ بعيدة عن المارة في سوق عكا القديمة، جلسَ بيننا رجلٌ في أوائل الستينات من العمر يدعى أحمد منصور، قاطع الجميع ليحدثني عن وضع العرب البائس في عكا القديمة فقال: "في أيام العز كان العامل العربي يجد مكانًا يعمل فيه قبل اليهودي، اليوم لم يعد له مكانًا في أيِ عمل... صِرنا طوابير، نتجالَس ونتحسر على أيام زمان... القادرون على السفر الى تل أبيب، رمات غان أو حيفا، ينتقلون الى هناك، حاملين همهم، باحثين عن لقمة العيش".

ووجد منصور نفسه "يفش غله"، على بعض العرب الذين يعدون بالمساعدة وليس بإمكانهم، أو أنهم ولكثرة لوائح المحتاجين باتت وعوداتهم تحتمل التأجيل لسنين وليس لأيامٍ أو أشهر...
وتابع: "ثم إنّني أتحسر على الأزواج الشابة التي تبحث عن بيتٍ تأوي فيه ولا تجد وفي السوق ما يربو عن 500 منزلٍ مغلقٍ، بيعَ ليهود، والخطة التي سنتها الدولة في مطلع الخمسنات، في عكا وجعلت شركاتها الخاصة تسيطر على ملكية العرب، وعلى رأس هذه الشرك ما تُسمى اليوم بعميدار".
وفي أثناء الحديث عادَ الصفصافي ليحدثني عن أحد معارفه الذي باع بيته بـ 150 الف الف دولار، واشترى بـ 70 الف دولار نصف دونم أرض في عكا الجديدة، وبـ 100 الف دولار جهزّ أربع شققٍ لأبنائه الأربعة ليسكنوا هم وزوجاتهم.
ووجدته يقول بغضب: "الوضع ببكي، منذ واحد وستين عامًا ونحنُ نطحن الكلام كالذي يطحن الماء... أنا جذوري من قرية الصفصاف، هل أستطيع العودة اليها؟!! هل لدي قوة كيف أعيد حقي؟!!! يدٌ واحدة لا تصفِق، والنتيجة ماذا؟!! حرقة أعصاب؟ّ! سُكَرّي!! جلطة!! شلل نصفي!! كله ع الفاضي... يا عمي ليش بتفتحي في جراحنا من جديد؟!!"

صمتَ قليلاً ثم تابَع ملخصًا أقواله بجملتين: "على شغلة بسيطة، فرضوا علينا حصار لشهرين، ما يشتروا من عنا... بلعبوا فينا زي كرة القدم، وبتبين العنصرية عنا وعندهم"...  "لا نحبهم ولا يحبوننا، لكنّ الحياة ستستمر، شئنا ذلك أم أبينا"..

\"\"
أما هاني الأسدي أحد أعضاء اللجنة الشعبية، ولجنة التجار فيقول: "مشكلتنا ليست من سكان عكا الأصليين، مشكلتنا مع اليهود الذين أُحضروا من المستوطنات (من جوش كاتيف)، وسكنوا في المدينة، وهم لا يعرفون ما معنى كلمة تعايش".

ويرى الأسدي مدينة عكا، أجمل مدينة في الكون ويصفها بقوله: "عكا مدينة عربية، آثارها عربية، إسلامية ومسيحية، أرى عكا جزءًا من تراثي ومن تاريخي ومن أصالتي... ولا يمكن لعربي لديه كرامة أن يتنازل عن ذرة تراب من عكا حتى لو كلفه ذلك فقدان أغلى ما لديه"...

وتابع الأسدي: "يضيّقون الحياة على أصحاب المصالح والتجار، يغيرون أسماء الشوارع، يغيرون الملامح العامة للمدينة، يبنون فنادق في عكا القديمة، كي نتناسى التاريخ... لكن هذا لن يحدث، فكل ما يمكن أن يفعلوه فعلوه... أما التاريخ فليس بمقدورهم استبداله".

الحاجة ام صبحي (يسرا الحصري)، في دكانها الصغير، وسط السوق القديمة، تتبادل الرأي مع صديقاتها الزبونات الدائمات، قطعتُ حبل الحديث بينها وبينهن لأسمع رأيها في ما يجري في عكا القديمة، فقالت: "سأحدثكِ بصراحة، أنا في السوق منذ عشر سنوات وأكثر، أسمع ما يتحدث به الجميع، زبائني من العرب واليهود، يتردد منذ مدة حديثٌ من كثيرين عن إغراءات ومساعٍ للتأثير على سكان عكا القديمة من أجل أن يبيعوا مقابل حفنة نقود إضافية..."

سألتها: ولماذا يتجرأ العرب على بيع بيوتهم ليهود؟!

أجابت: "لا يستطيعون تصليح بيوتهم، سيكلفهم ذلك أثمانًا باهظة، ولا يُمنحون قروضًا من أجل شراء بيوتٍ لعرب في السوق القديمة، والنتيجة انّ من يريد أن يشتري بيتًا في السوق القديمة هو إنسان مقتدر ومستعد لبيع ضعف المبلغ المعروض".

تابعت ام صبحي: "النتيجة أنّ العرب انتقلوا الى عكا الجديدة، لكن بقيت مشكلة سداد القروض عند شراء البيوت او استئجارها... وهذه مشكلة جديدة يواجهها الشباب العكاوي، خاصةً العاطلون عن العمل، هذا ناهيك عن المتمسكين ببيوتهم ولا يتركوها، النتيجة أنه ليس من حقهم أن يفتحوا شباكًا، أو بابًا، ولو فعلوا ستقوم الدنيا ولن تقعد ضدهم".

سألتها: "كيف كانت علاقتك بجيرانك اليهود وانتِ تسكنين في عكا الجديدة؟"

فأجابت: "لم نختلف، لكن الغصة كانت في القلب، أنا من جهتي آلمني ما جرى، أنّ اليهود افتعلوا مشكلة من شيء بسيط، نحنُ المسلمون نتحمّل الجميع في شهر رمضان المبارك، حتى المفطرون لا نحملهم همنا أو نلوم عليهم أنهم يأكلون أمامنا، فلماذا يمنعوننا من المرور من أمامهم أيامَ صومهم؟!! لستُ أفهم كيف يفكر هؤلاء؟!"

\"\"
طلبتُ من ام صبحي أن تلخّص مشاعرها من أحداث عكا فقالت: "كرهتُ يومها محاولة التحكم بِنا وبمشاعرنا... قاطعونا ولم نرَ يهوديًا في السوق.. رغمَ أننا نعيش مع اليهود قبل العام 48. شعرتُ يومها بالعنصرية المغلفة بالأنانية... وإذا شئتِ أن تسمعي رأيي، فإنّ ما حدث في اكتوبر 2008 سيظل نقطة سوداء في تاريخ العلاقات اليهودية العربية، على الأقل في مدينة عكا".

وشاركتنا في همِ عكا الناشطة السياسية ريم حزان ابنة المدينة التي عايشت الأحداث، والتي تحدثت عن وجعها الخاص، وحبها لمدينتها فقالت: "عكا كمدينة مختلطة هي نموذج مصغّر لما يحدث في الدولة، فمنذ مرور اكتوبر 2000 وحتى اكتوبر الماضي 2008 أيام المواجهات في عكا، والأمور تعود، ليس الى مجراها المعتاد، إذ لم يتم تناول الغضب والألم الكبير الذي عاشه أبناء عكا، كما يجب ان يكون، ولم يتم استئصال الورم الخبيث من جسم المدينة، ولا زال الحديثُ الجاري ليسَ بعميقٍ كفاية... ووسط هذا الجرح النازف تظهر أمامي بعض الحقائق، من أبرزها:

 * بات العكاويون أكثر وعيًا لحساسية الوضع وللحاجة الى علاج قضية العلاقات بين العرب واليهود بطريقة جذرية.

* نسبة العرب في المدينة 40% أي أنهم من السكان الأصلانيين رغم أنّ كثيرون منهم لاجئون من قرىً مجاورة.

* برزَ الوضع الاقتصادي البائس في المدينة وتدني مستوى التعليم وعدم وجود اطر لا منهجية بشكلٍ ممؤسس.

* هناك حقيقة أنّ عكا تجلس على كومة قش إن اشعلها احدهم ستكون ردور الفعل عنيفة جدًا .

* اليوم بات العرب أكثر وعيًا أن لا يجرهم الآخرون الى موقع الحدث مرتين، والشرطة باتت تتخوف من ان تكون "في مقدمة المتصدي" لعنف المستوطنين اليهود.

* العرب في عكا عرفوا نوعية مستوطنين يحملون فكرًا ايديولوجيًا فاشيًا، ليسوا متدينين عاديين، انهم يكرهون العرب، وهمهم الأول والأخير مضايقة الفلسطينيين، ما فعلوا من قبل في المناطق المحتلة في أراضي ال 67.

* المسألة الأخيرة والحقيقة المؤلمة أنّ اتجاه العرب الى المخدرات والسرقة ليسَ رغبة في الانتحار او ايذاء النفس، بل هي نتيجة طبيعية للإهمال اللاحق بالعرب، وعدم تقديم الخدمات الأساسية والدعم الاقتصادي والاجتماعي والانساني.

\"\"

وأسهم الكاتب إياد برغوثي بإضافة هامة جدًا لكل ما قيل من قبل، مقترحًا طريقة جريئة في تحدي الوضع الراهن والعمل على تغييره، فقال: "لا يمكننا أن نكتفي بالجلوس على السّور والتحسّر على عكا، وعدّ الأمواج والبيوت والمعالم والأوقاف المعروضة للبيع، والغضب من وقاحة تغيير هوية المدينة الجلية لكلّ عين، ولا أن نكتفي بتحليل المخططات السياسية التي أدّت إلى تضييق الخناق وإفقار السكان وسلبتهم حقوقهم وتدفعهم اليوم، أيضًا، للرحيل".

وتابع البرغوثي: "بات الأهم اليوم مواجهة هذه السياسة عبر خلق البديل الوطني، الذي يمكن في تنظيم وحدة المجتمع العربي في المدينة بمختلف قواه السياسية والأهلية، وبناء المؤسسات الجماهيرية وتأكيد الهوية القومية للسكان والسعي الجاد من أجل زيادة تأثيرهم السياسي لتحصيل الحقوق ورفع سقف المطالب لتتلاءم ونسبتهم بين السكان ومكانتهم وحقوقهم الجماعية كسكان أصليين وعلاقتهم التاريخية مع المدينة، وإعطاءهم حق الأولوية في السّكن والعمل والتعليم، هي شروط أساسية للعمل من أجل التصدّي والتقدّم".

وختم بالقول: "يرتكز المشروع التنموي إلى رؤية إعادة المدينة مركزًا ثقافيًا واقتصاديًا حيًا ونابضًا للمجتمع العربي. ولا يقتصر دعم المدينة على شراء البيوت المعروضة للبيع والاستثمار بالمباني والمبادرات الاقتصادية وإقامة المؤسّسات التربوية والثقافية والمجتمعية فيها أو نقلها إليها، بل يشمل أيضًا السكن فيها، بالإضافة إلى زيارتها ومعرفة تاريخها الهام والتسوّق والمبيت فيها."

وكان لقائي بشمعون لانكري، رئيس بلدية عكا حافلاً بوصفه لإنجازاته التي حققها للمدينة وللمواطنين عربًا ويهودًا، وتوقف عن الشرح عندما سألته عن "العنصرية" في عكا فقال:  على مستوىً شخصي لم أعرف هذا المصطلح "العنصرية"، لا من قريب ولا من بعيد، بتاتًا. أما إذا كان الحديث حول نظرة اليهود للعرب، فإنّ التطرف موجود لدى الجميع، عربًا ويهودًا، فالعنصرية مصطلح عالمي، غير منحصر في البلاد. مَن يعرف وضع العرب في  عكا جيدًا، وراقَب ويراقب كيف كانوا وكيف صاروا اليوم... روضات أطفالٍ بأجمل حُلّة، مدارس تضاهي المدارس اليهودية جمالاً ومستوىً تعليمي... كيف لا يرضيهم هذا الوضع الذي وصلوا اليه؟!

سألته: ماذا بالنسبة لوضع عكا القديمة؟

فأجابني: "أعترف بأنّ عكا القديمة تحتاج الى الكثير من التحسينات، وإذا علمنا أنّ عدد سكان عكا بمجملها هو 50 ألف نسمة، بينما عدد سكان عكا القديمة 4000 نفر، فإننا نعي تمامًا أنّ هناك عدد ليس بقليل يعيشون حياة مدنية مليئة بالمشاكل والأزمات بدءًا من الأزمة الاقتصادية المحلية وصولاً الى آفة تعاطي المخدرات عند القِلة منهم... لقد استلمنا مدينة، في بقعةٍ هي الأكثر أهمية، يعيش مواطنون يحتاجون الى حلِ الكثير من مشاكلهم، وربما يكون مشروع بناء ثلاث فنادق في الحي كفيلاً بتحويل المنطقة الى منطقة أكثر حداثة واستقرارًا".

قاطعته: حتى يتحقق حلمك يكون معظم أبناء عكا القديمة قد تركوا بيوتهم!

"إنهم يخرجون بإرادتهم... ثم إنّ مشكلة تعاطي المخدرات الذي ذكرتها آنفًا، لا يمكنني حلُها، أنا لستُ شرطيًا... وهل تتوقعين انني قادر على حل جميع المشاكل؟! وفي موضوعي الفقر والبطالة التي يواجهها أهل عكا القديمة، أقول انهم ليسوا وحدهم من يعاني هذه المشاكل، فجميع البلاد تشكو الفقر والبطالة، يهودًا وعربًا.

وهؤلاء الذين يسكنون عكا القديمة، يفضلون العيش في بيوتهم وهذا حقهم الطبيعي، رغم ظروفهم القاسية... لم أسعَ يومًا لإسكان اليهود في عكا القديمة، رغم كيل الاتهامات الذي تحملته منذ بداية عملي، وأكبر دليلٍ على ذلك أنني ومنذ أن عُينت رئيسًا للبلدية لم يدخل يهوديًا واحدًا ليسكن في عكا القديمة، إنها مجرد أقاويل عارية عن الصحة".

*وكيف تسير الأمور في المدينة بعد أحداث عكا؟

لا يمكنني القول أن الجرح اندمل أو في طريقنا للشفاء منه، دكيهمت تألمنا، خاصة ان المشاكل التي حصلت جاءت على خلفية دينية، وفي المسائل الدينية لا يُمكن تصور الآثار الجسيمة التي تترسّب في نفوس البشر".

..Lebanon: A State on the Brink

 الخميس 27 كانون الثاني 2022 - 6:30 م

..Lebanon: A State on the Brink   "I don't have any prospects for my future anymore". "It has … تتمة »

عدد الزيارات: 83,140,251

عدد الزوار: 2,060,121

المتواجدون الآن: 56