مصر وتركيا: نحو تحالف استراتيجي جديد؟! (1)(2)

تاريخ الإضافة الجمعة 9 آذار 2012 - 6:35 ص    عدد الزيارات 563    التعليقات 0

        

 

مصر وتركيا: نحو تحالف استراتيجي جديد؟! (1)
مصطفى اللباد
تمر العلاقات المصرية ـ التركية بلحظات تاريخية فارقة بسبب «الانتفاضات الشعبية» العربية، التي تتجه إلى تغيير البنية السياسية والإقليمية للشرق الأوسط. وتستمد اللحظة الراهنة صفتها التاريخية من حيث كونها فاصلة بين عصرين ونظامين إقليميين؛ أي عصر ونظام انقضيا بظهور «الانتفاضات الشعبية» العربية، وعصر قادم يتأسس على نتائج هذه الانتفاضات. تماماً مثلما كانت فترة الحرب العالمية الأولى هي بداية عصر جديد للمنطقة هو عصر سايكس ـ بيكو، الذي ترسخ على أنقاض الدولة العثمانية وتقاسم مناطقها الجغرافية بين القوى العالمية وقتذاك انكلترا وفرنسا. واللحظة الفارقة أيضاً في تاريخ العرب الحديث كانت الحرب العالمية الثانية، وما أعقبها من تغيير في خرائط السياسة الدولية؛ ومن ثم انقسام العالم إلى معسكرين، واستقلال دول منطقتنا وانضواء كل دولة فيها بشكل أو آخر فى أحد هذين المعسكرين. وليس من المصادفات أن اللحظة الراهنة واللحظتين السابقتين كانت تركيا، وريثة الدولة العثمانية، قاسماً مشتركاً فيهما، ومرد ذلك أن تركيا واقع جغرافي وتاريخي واستراتيجي في منطقتنا وعلامة بارزة عليها. وفي مثل هذه اللحظات الفارقة يكون الحديث عن سيناريوهات المستقبل للعلاقات المصرية - التركية مرتبطاً بالضرورة بأدوار كليهما وإمكانية التنسيق والتعاون بينهما، باعتبار ذلك قضية مستقبل للمنطقة وشعوبها وليس مجرد تمرين ذهني مفترض.
استقرت العلاقات بين القاهرة وأنقره في مستويات اعتيادية في أغلب فترات التاريخ الحديث، إلا أنها لم تصعد أبداً إلى مستوى «التحالف الاستراتيجي» منذ قيام الجمهورية التركية على أنقاض الدولة العثمانية عام 1923. صار التباين في الرؤى والمواقف علامة على علاقات البلدين لعقدين من الزمان، مع توجه تركيا نحو الغرب، والتغيير السياسي في مصر بعد 1952. من ناحيتها انضوت تركيا، في سياق موقعها الجغرافي المركزي وتحالفها مع المعسكر الغربي في «حلف بغداد»، الذي أراد ترتيب الشرق الأوسط وفق المصالح الغربية بمنتصف الخمسينيات من القرن الماضي. حينها تصادمت تركيا بمصر التي تزعمت الحركة السياسية المناهضة للأحلاف، تلك التي تتوجت بظهور حركة «عدم الانحياز» بقيادة نهرو وتيتو وعبد الناصر. وتكرس التباين مع انضواء تركيا في التحالف الغربي، واقتراب مصر المتزايد من الاتحاد السوفياتي السابق وتحالفاته، وزاد العلاقات المصرية - التركية ابتعاداً أن القاهرة تبنت وقتذاك الأفكار القومية العربية، التي خاصمت تركيا على خلفيات سياسية وتاريخية سابقة. وبالرغم من ذلك الجفاء الموضوعي بين الطرفين - أو ربما بسببه - فقد خفضت تركيا درجة تمثيلها الدبلوماسي في إسرائيل عند مشاركة الأخيرة في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. ولكن التوتر في العلاقات المصرية - التركية عاد ليشهد تحولاً نوعياً بعد ما اعتبرته دمشق ارتفاعاً في وتيرة التحركات العسكرية التركية على حدودها منذ نهاية العام 1957، حيث ارتفع طردياً التوتر الإقليمي في المنطقة. حينذاك اتجهت النخبة العسكرية السورية بغالبيتها الساحقة إلى القاهرة طلباً للوحدة بين مصر وسوريا، والتي تحققت بالفعل في فبراير/ شباط 1958. من ناحيتها دفعت الوحدة المصرية - السورية بالتعاون بين إسرائيل وتركيا إلى آفاق لم يبلغها من قبل، فأسس رئيس وزراء تركيا وقتذاك عدنان مندريس، مع نظيره الإسرائيلي ديفيد بن غوريون، «تحالفاً استراتيجياً» بين أنقره وتل أبيب، بحيث اشتمل على تعاون استخباري وتعاون عسكري لتبادل التكنولوجيا العسكرية المتطورة.
وازنت الوحدة المصرية - السورية الثقل التركي على الحدود التركية - السورية، ولكنها دفعت بالتنسيق بين أنقره وتل أبيب إلى مستوى عال من العلاقات لم يبلغه من قبل. كان واضحاً أن نظرية «دول المحيط»، التي أسس لها بن غوريون، وجدت ترجمتها المباشرة في السياسة الإقليمية الإسرائيلية، بحيث توجهت إلى تمتين التعاون مع الدول المجاورة للدول العربية وبالتحديد الدول غير العربية الثلاث: تركيا وإيران وإثيوبيا. ومع احتدام الحرب الباردة فقد تبلور اصطفاف إقليمي - دولي في الشرق الأوسط بين الدول العربية الراديكالية مصر وسوريا والعراق، والتي احتفظت بعلاقات مميزة مع الاتحاد السوفياتي السابق، في مقابل اصطفاف إقليمي - دولي ضم تركيا وإيران وإسرائيل والدول العربية المعتدلة بغطاء أميركي واضح. باختصار تواجهت القاهرة وأنقره على خلفية ثلاثة أسباب: التباين في التحالفات الدولية، والاختلاف الأيديولوجي الكبير وتحالف أنقره مع تل أبيب.
توجت «معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية» 1979 استدارة القاهرة في علاقاتها مع الاتحاد السوفياتي السابق، وصولاً إلى تدشين تحالف جديد بين مصر والولايات المتحدة الأميركية. هنا اختفت موضوعياً التصادمات في التحالفات الدولية للطرفين المصري والتركي، وأصبح هناك قاعدة لعلاقات جديدة بينهما. كما أن التغير في السياسة المصرية حيال إسرائيل كان مواتياً للمصالح التركية، التي تحتفظ بعلاقات وثيقة مع إسرائيل وتخشى من استمرار تصنيفها «خصماً» في المنطقة. وفتح سقوط المعسكر الشرقي، الذي قاده الاتحاد السوفياتي السابق في بداية التسعينيات من القرن الماضي، آفاقاً جديدة للأطراف الإقليمية المتحالفة مع واشنطن في لعب أدوار جديدة. ساعتها شهدت علاقة الطرفين عنصرين للتقارب بينهما: السقف الدولي المشترك (الولايات المتحدة الأميركية والغرب) والعلاقات مع إسرائيل. ولكن العلاقات بينهما راوحت مكانها مع ذلك لغياب عنصرين هامين لتطوير العلاقات إلى مستوى متميز: غياب الرؤية المشتركة لكلا الطرفين لمستقبل الشرق الأوسط، وافتقاد الطرفين وجود «أخطار مشتركة» عليهما. هكذا انخرطت تركيا في اصطفاف إقليمي مع إسرائيل تحت الغطاء الأميركي، في مقابل إيران والعراق التي تم دمغهما بما سمي «الدول المارقة»، ومعهما سوريا التي تشارك الطرفين التركي والإسرائيلي حدوداً مضطربة. وذهب بعض الخبراء حد وصف «التحالف الاستراتيجي» في التسعينيات بين تركيا وإسرائيل بأنه «أهم ظاهرة سياسية في الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب الباردة»1، حيث بلغ التناغم بين الطرفين أوجه مع «الانقلاب الناعم» على رئيس الوزراء التركي الأسبق نجم الدين أربكان، الذي نفذته المؤسسة العسكرية التركية. كان أربكان قد صك فكرة الدول «الثماني الإسلامية الكبرى» التي تضم كلا من: تركيا وإندونيسيا، ماليزيا، باكستان، بنغلادش، إيران، مصر ونيجيريا بغرض ترسيخ وضع تركيا المؤسسي داخل العالم الإسلامي2. ولا يخفى أن محاولة أربكان مثلت محاولة تركية أولى للخروج من إسار التحالف التركي - الإسرائيلي، وهو ما قرع أجراس الإنذار في تل أبيب، التي استثمرت علاقاتها بالمؤسسة العسكرية التركية لإطاحة أربكان. وبسبب تدني رغبة وقدرة النظام المصري السابق على لعب أدوار إقليمية، وانحسار نشاطه الإقليمي في «التوسط» بين إسرائيل والفلسطينيين، وتحفظ مبارك من التوجهات الإسلامية لرئيس الوزراء التركي الأسبق نجم الدين أربكان، فقد أغلقت بإحكام نافذة الفرصة لرفع مستوى العلاقات المصرية - التركية.
توسطت مصر في نهاية التسعينيات من القرن الماضي في النزاع الناشب آنذاك بين تركيا وسوريا حول إيواء دمشق زعيم حزب «العمال الكردستاني»، عبد الله أوجلان، ونجحت في نزع فتيل الأزمة عبر إقناع دمشق بالتخلي عن إيوائه. كانت القاهرة تملك وقتذاك ما تبقى من علاقات عربية مع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، وكانت تركيا في عصر سليمان ديميريل ما زالت بعيدة نسبياً عن المنطقة وتوازناتها. ومع بداية الألفية الجديدة كانت المنطقة تشهد تغييراً تركياً داخلياً ذا مغزى (وصول حزب «العدالة والتنمية» إلى السلطة 2002)، وآخر إقليمياً عميق الدلالة (احتلال العراق 2003). نظرت القاهرة بعين الريبة إلى حزب «العدالة والتنمية» وتحفظت على مرجعيته الإسلامية، وكان واضحاً أن عنصراً ثالثاً أضيف إلى عوامل كبح العلاقات المصرية - التركية، وهو التباين في المرجعيات والقيم المؤسسة لكلا الطرفين. وإذ تغيرت البيئة الإقليمية مع احتلال العراق، حيث خرجت تركيا ومصر خاسرتين جراء ذلك الاحتلال، إلا أن الطرفين فشلا في تعديل تلك النتيجة في السنوات القليلة التي أعقبته. ومع تبدل الموازين أكثر وصعود النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة بعد حرب لبنان عام 2006، وانفتاح سوريا على تركيا، وتحسن العلاقات التركية - الإيرانية، لم تعد تركيا محاطة بدول معادية مثلما كانت في السابق، وتحولت الدول المجاورة لتركيا، إيران والعراق وسوريا، من «تهديد محتمل» إلى «فرصة محتملة». ساهم ذلك التحول في تثبيت نتيجتين مختلفتين، أولاهما تحسن البيئة الاستراتيجية المحيطة بتركيا، وثانيتهما فقدان العلاقات التركية - الإسرائيلية مكوناً أساسياً من مكوناتها، أي إحاطة كليهما بدول معادية. في هذا السياق كانت الفرصة سانحة مرة أخرى ـ نظرياً - أمام القاهرة لرفع مستوى العلاقات مع أنقره، بهدف تدعيم الوجود المصري في توازنات المنطقة، ولكن ذلك لم يحدث على الرغم من عدم وجود تنافس على الأدوار بين البلدين الكبيرين طيلة ثلاثة عقود كاملة (منذ منتصف السبعينيات وحتى 2005). وفي الوقت الذي كانت فيه تركيا تدشن سياسة «صفر مشاكل» مع الجيران وتتوسط بنجاح بين دول المنطقة، كانت مصر محكومة عملياً بسياسة «صفر أدوار». وفق هذا المقتضى وافقت القاهرة على إقامة «حوار استراتيجي» مع أنقره 2007، إلا أن الموضوع بقي شكلياً ولم يساهم في تعزيز العلاقات الثنائية، تلك التي بقيت محكومة باشتراكهما في سقف دولي واحد وعلاقات مع إسرائيل، في ظل أدوار تركية صاعدة وتراجع مصري متزايد عن الإقليم.
أفلحت تركيا في بناء صورتها في المنطقة عبر توالي المواقف التركية المنددة بالسلوك الإسرائيلي حيال الفلسطينيين، وفي الوقت الذي كانت فيه مصر ترزح تحت رئاسة مبارك وتتحالف استراتيجياً مع إسرائيل وتضغط على الفلسطينيين، كانت تركيا تتمايز في مواقفها تجاه القضية الفلسطينية. ولم يقتصر التمايز على حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، إذ توخت تركيا تقليدياً الموازنة بين تحالفها السابق مع إسرائيل والتزامها مسافة عن السياسات العدوانية لإسرائيل تجاه العرب. في هذا الإطار ينبغي ملاحظة امتناع تركيا عن السماح للجسر الجوي الأميركي بالعبور في الأجواء التركية؛ لإيصال معدات عسكرية لإسرائيل المتراجعة في حرب عام 1973. وعادت تركيا لتندد بقرار الكنيست الإسرائيلي عام 1980 القاضي بضم القدس الشرقية، وخفضت مستوى تمثيلها الدبلوماسي في إسرائيل. ولم يخرج رئيس الوزراء التركي الأسبق بولنت أجاويد من «حزب الشعب الجمهوري» عن هذا السياق، حيث ندد بالسلوك الإسرائيلي تجاه الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عام 2001، و«معركة جنين» عام 2002، والتي وصفها أجاويد بأنها «تقترب من المذبحة الجماعية». ومع وصول حزب «العدالة والتنمية» إلى السلطة في تركيا تتابع السلوك التركي حيال القضايا العربية وتطور من تصويت تركيا في الأمم المتحدة ضد إسرائيل بسبب بناء الأخيرة «الجدار العازل» عام 2003، وتنديد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان باغتيال إسرائيل الشيخ أحمد ياسين عام 2004، ووصفه «بالعمل الإرهابي». واستمر التنديد التركي بالمواقف الإسرائيلية وحربها على لبنان عام 2006. ومع ذلك فقد توسطت تركيا في خمس جولات من المفاوضات بين سوريا وإسرائيل خلال العام 2008 وحتى العدوان الإسرائيلي على غزة مع نهاية العام المذكور، بهدف تظهير القوة الناعمة التركية في الشرق الأوسط3.
كانت الوساطة التركية ـ في أحد وجوهها - «خصماً» من أدوار تقليدية للقاهرة بعد توقيع «معاهدة السلام المصرية -الإسرائيلية»، وهو ما ساهم في تبريد مطّرد للعلاقات بين القاهرة وأنقره. وأمكن بسهولة ملاحظة التقدم الإقليمي التركي بالتزامن مع التراجع المصري بعد عقد من الزمان من وساطة مصر بين سوريا وتركيا في قضية أوجلان، حيث نجحت تركيا الواقفة على مسافة من «معسكر الممانعة» و«معسكر الاعتدال» في تحسين علاقاتها مع سوريا بشكل تواكب مع تدهور واضح في علاقات مصر وسوريا خصوصاً، وحضور مصر الإقليمي عموماً. ومع الاستقطاب الذي ساد الشرق الأوسط ما بين عامي 2003 و2009 بين «محور الممانعة» الذي قادته إيران ومعها حركات المقاومة في المنطقة، في مقابل «محور الاعتدال» الذي انضوت فيه «الدول العربية المعتدلة»، بدا للوهلة الأولى أن تركيا أميل إلى المحور الأخير بسبب ارتباطاتها الغربية. إلا أن تركيا نسجت خيوط علاقات متميزة مع إيران، التي تستورد منها تركيا شطراً لا يستهان به من احتياجاتها من الطاقة، وصمدت أمام ضغوطات عربية للانخراط في الاصطفاف المناوئ لإيران في المنطقة. كان السبب في ذلك راجعاً إلى أن انخراط تركيا في «معسكر الاعتدال» كان سيعني نهاية مبكرة لسياسة «صفر مشاكل»، التي أعادت تركيا بأقل التكاليف إلى توازنات المنطقة. وتخطت حسابات تركية لأدوارها الإقليمية القادمة مجرد الاصطفاف في محور ضد آخر، وبالتالي رأت أنقره أنه إذا كان هناك تنافس مع إيران، فسيكون وفقاً لحساباتها وعلى قياسها، وليس على قياس الحسابات المصرية أو السعودية.
صعد الطموح التركي الإقليمي في مدارج لم يبلغها من قبل، مع التحسن في البيئة الاستراتيجية المحيطة بتركيا على أساس قاعدة «صفر مشاكل» مع الجيران التي صكها وزير الخارجية أحمد داود أوغلو4، واختفاء التوتر والتهديد على حدودها الجغرافية. بعدها تطلعت تركيا إلى أدوار تجاوزت مجرد «جوار مستقر» و«شريك تجاري مميز» مع الدول العربية، لتصل إلى تولي دور «المرجعية الإقليمية»، ورسم شرق أوسط جديد، مستقر سياسياً ومتكامل اقتصادياً، وبشكل يناسب المصالح والطموحات الإقليمية التركية. ولا يفوت في هذا السياق التنويه بتصاعد المبادلات التجارية بين تركيا ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في السنوات الأخيرة، حيث تضاعف حجم ذلك التبادل بنحو سبعة أضعاف خلال الفترة من عام 2002 وحتى عام 2009. ومثّل العدوان الإسرائيلي على غزة 2008/2009 نقطة فارقة في العلاقات المصرية - التركية، فقد جاء العدوان في وقت ظهرت فيه تركيا مدافعة عن الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، الذي حاصرته القاهرة بالاشتراك مع تل أبيب. وأتاح الموقف التركي ظهوراً شعبياً غير مسبوق لرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، في مقابل انكشاف موقف حسني مبارك من مشاركته في الحصار المفروض على غزة. وفاقم هذا الأمر من التوتر الذي أخذت القاهرة تبديه لأنقرة، وعزز الريبة التي شعر بها الرئيس المخلوع من زيادة الانخراط التركي في شؤون المنطقة.
لم يكن مستغرباً إذاً أن تحبط كلا من القاهرة والرياض «مبادرة الجوار العربي»، التي أطلقها الأمين العام السابق للجامعة العربية، عمرو موسى، حيال كل من تركيا وإيران. كان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان حاضراً القمة العربية في سرت - ليبيا في مارس/آذار 2010، ووافق فوراً على مبادرة الجامعة العربية، إلا أن قبوله لم يلق حتى استحساناً شكلياً، فخسر العرب الحوار قبل أن يبدأ. وكان أن انتقدت وسائل الإعلام المصرية المبادرة رافعة، على السطح، شعار عدم الانفتاح على إيران، في حين رفضت القاهرة، في العمق الانفتاح على تركيا أيضاً. وبغض النظر عن تفاصيل المبادرة، فإن الرفض المصري - السعودي لها كرس «معسكر الاعتدال» بوصفه معسكر الأمر الواقع، في حين وضع تركيا في خانة التغيير والمبادأة، وهو ما أضعف بدوره أدوار القاهرة إلى مستويات غير مسبوقة تاريخياً. وتفاقم الأمر مع الصعود المدوي لأردوغان في الشارع العربي بعد حادثة «أسطول الحرية» مايو/أيار 2010، ساعتها ظهر بوضوح أن تركيا الناشطة إقليمياً والرابحة لتعاطف شرائح واسعة من الشارع العربي، قد أصبحت خصماً لدوداً لمبارك، وأن تدهوراً مقيماً قد حل على العلاقات المصرية - التركية وبشكل جعل الهوة التي فصلت مواقف الطرفين عصية على التجسير.
[[ رئيس مركز الشرق للدراسات الإقليمية والاستراتيجية ـ القاهرة
1- Meltem Muftulur- Bac, «Turkey and Israel: An Evolving Partnership», Ariel Center for Policy Research (ACRP), Policy Paper No. 47, 1998, p.9.
2- Mehmet Ozkan, «Turkey in the Islamic world: An Intitutional Perspective», Turkish Review of Middle East Studies, vol.18, Annual 2007, pp.93-159.
3- Bulent Aras, «Turkey between Syria and Israel: Turkey’s Rising Soft power», SETA Policy Brief, May 2008, No. 15.
4ـ راجع مجلة «شرق نامه»، السياسة الإقليمية الجديدة وأحمد داود أوغلو، العدد السادس، مركز الشرق للدراسات الإقليمية والاستراتيجية، القاهرة 2010.
 
مصر وتركيا ... قطبان لا يلتقيان ؟ 2
نحو تحالف استراتيجي جديد (2)
مصطفى اللباد
} هل يتحقق سقف التوقع التركي لإقامة تحالف استراتيجي مع مصر؟ ـ } انتهى «مشوار صفر» مشاكل وفقدت تركيا عملتها السياسية الصعبة، وبدأ فصل جديد لتعزيز المواقع التركية حيال ايران وتحجيم النفوذ الاسرائيلي في شرق المتوسط. ـ } الشهية التركية الاقتصادية تتطلع إلى سوق مصرية من 80 مليون نسمة. } ما هي السيناريوهات المتوقعة في مرحلة تعود فيها مصر إلى دور اقليمي معد لها ودور تركي يؤسس لتقاسم النفوذ والتأثير؟ } هنا إجابة لاحتمالات التقارب المصري التركي وآثاره.
في خريف 2011 تُوج الانفتاح التركي على القاهرة بإعلان داود أوغلو، رغبة بلاده في إقامة تحالف استراتيجي بين مصر وتركيا في صعود واضح لسقف التوقعات التركي من العلاقات مع مصر. ربما يكون مفيداً هنا تسليط الضوء على الدوافع التركية من التحالف مع مصر، وهي الدوافع التالية:
1- خلق إطار إقليمي جديد مؤات ومناسب للمصالح التركية: لما كانت الدول العربية تشكل غالبية سكان الشرق الأوسط وغالبية مساحته الجغرافية، كما أن اللغة العربية هي الأكثر انتشاراً فيه، يصعب على القوى الشرق أوسطية غير العربية أن تلعب دوراً متميزاً فيه إلا بالتحالف مع دولة عربية على الأقل. ومصر بما لها من موقع متميز ـ مع تراجعه فى العقود الأخيرة - هي الأنسب لتسهيل الدور التركي في الشرق الأوسط بما تملكه من مشروعية تمثيلية عربية (الأكثر سكاناً، القوة العربية الأكبر عسكرياً وسياسياً)، وبسبب مجاورتها جغرافياً لتركيا إذ لا يفصلهما إلا البحر الأبيض المتوسط. وإذ يمنع غياب المؤسسات الإقليمية في الشرق الأوسط أنقرة من ترجمة قدراتها العسكرية والاقتصادية وقوتها الناعمة إلى أجندة إقليمية تساهم في صياغتها، فمن المنطقي أن تسعى تركيا إلى خلق مؤسسات تعاون إقليمي تضم الدول العربية وتركيا، وهو ما يفسر الترحيب التركي الكبير عام 2010 بمبادرة «الجوار العربي» والتحفظ الرسمي المصري عليها. وهنا تمكن ملاحظة أن «منظمة المؤتمر الإسلامي» التي تترأسها تركيا حالياً، ليست مؤسسة إقليمية بالمعنى السياسي، كما أن «جامعة الدول العربية» بوصفها عربية، لا يمكنها ضم تركيا كعضو كامل الصلاحيات، وإنما كعضو مراقب في أحسن الأحوال. لذلك، فقد بدت الفرصة سانحة أمام تركيا لتحسين علاقاتها مع مصر بعد «الانتفاضة الشعبية» التونسية والمصرية لخلق نظام إقليمي جديد بقيادة تركية.
2- نهاية سياسة «صفر مشاكل» وفقدان تركيا تحالفاتها الاستراتيجية: انتهت سياسة «صفر مشاكل» بعدما أدت دورها في إعادة تركيا إلى توازنات المنطقة القائمة حتى مرحلة «الانتفاضات الشعبية» العربية. عادت تركيا إلى توازنات المنطقة على جناح «صفر مشاكل» التي انتهجتها في السنوات الخمس الأخيرة، بتكاليف سياسية قليلة نسبياً. لكن عودة تركيا بتكاليف سياسية زهيدة إلى توازنات المنطقة فتحت شهيتها امام أدوار أكبر، وهو ما جعل طموحاتها تصطدم بأنظمة سياسية في جوارها الجغرافي. لم تنجح تركيا في كسر حالة العداء التاريخي مع اليونان، وفشلت محاولاتها للتطبيع مع أرمينيا رغم كلفتها السياسية في العلاقات التركية -الأذربيجانية، وتوترت علاقاتها مع إسرائيل وسوريا وإيران وإقليم كردستان العراق. وهكذا مع اندلاع «الانتفاضة الشعبية» في سوريا وحتى الآن أصبحت تركيا بدون حليف حقيقي في المنطقة.
3- تعزيز المواقع التركية حيال إيران: عادت التوازنات الإقليمية لتتعدل مرة جديدة مع اندلاع «الانتفاضات الشعبية» العربية ومنها «الانتفاضة السورية»، التي تميزت بكونها شكلت حداً فاصلاً لعهدين من السياسة الإقليمية لتركيا. وبات واضحاً، مع التغير في الموقف التركي من النظام السوري، أن تركيا بصدد خسارة علاقاتها مع المعسكر الذي تقوده إيران في المنطقة. وهنا بالتحديد تعاني تركيا من نقطة ضعف أساسية تتمثل في أن غيابها النسبي عن المنطقة في العقود الماضية، ونجاح إيران خلال هذه السنوات في بناء شبكة تحالفات قوية في المنطقة، يجعلان تركيا في حاجة إلى بدائل وصياغة شبكة علاقات جديدة ربما يكون من أهمها التحالف مع القاهرة.
4- تحجيم إسرائيل: تدهورت العلاقات التركية - الإسرائيلية في أعقاب حادثة «أسطول الحرية» تدهوراً غير مسبوق في العلاقات الثنائية للبلدين، وعكس اصطدام تركيا بإسرائيل عدم قبول الأخيرة بقيادة تركيا الإقليمية، وليس لصراع وجودي أو حدودي أو أيديولوجي. ومع هامش المناورة المحدود نسبياً، الذي تملكه تركيا حيال إسرائيل تظهر مصر باعتبارها رافعة ممتازة لتحجيم النفوذ الإسرائيلي في شرق المتوسط، ليس بالوسائل العسكرية وإنما بالأدوات السياسية والاقتصادية وبناء التحالفات الإقليمية.
5- تحسين وضعية تركيا الجيو - سياسية: تعاني تركيا من معضلة جيو - سياسية الطابع تتعلق بإطلالتها المحدودة على البحر المتوسط رغم اتساع ساحلها الجنوبي، وتتلخص هذه المشكلة في القيود البحرية المفروضة على تركيا والناتجة عن حروب البلقان التي جرت عام 1913. أعطت الحروب الأخيرة اليونان الغالبية الساحقة من جزر بحر إيجه الواقع إلى الغرب من تركيا، وبخط يبدأ من جزيرة أندروبوليس في أقصى شمال بحر إيجه في خط متسلسل يمر بالجزر اليونانية: ألكسندروبوليس، ليمنوس، ليسفوس، شيوس، ساموس، كوس وانتهاء بجزيرة رودس على نقاط التقاء البحر المتوسط مع بحر إيجه، وبما يجعل هذا البحر أشبه ببحيرة إقليمية يونانية. وعند إمعان النظر في الإطلالة التركية على البحر المتوسط يمكن اكتشاف أن جزيرة قبرص في الجنوب الشرقي وجزيرتي كريت ورودس اليونانيتين والمياه الإقليمية اليونانية المحسوبة من موقع هاتين الجزيرتين، وليس من الأراضي اليونانية الرئيسية، تشكل مانعاً طبيعياً أمام إطلالة تركيا البحرية على المتوسط وعائقاً قانونياً يصعب تجاوزه. وبالتالي يبقى شريط ضئيل محدود من الساحل المتوسطي يمكن لتركيا احتساب المياه الإقليمية منه لكن من دون القدرة على استثماره استراتيجياً واقتصادياً حتى الآن. ويقود تقليب النظر في خريطة البحر الأبيض المتوسط أن مصر وتركيا جارتان بحريتان، بكل ما يترتب على هذه الجيرة من إمكانات للتعاون بينهما، ووفقاً لذلك تستطيع مصر إنشاء منطقة اقتصادية خالصة (7) بدءاً من سواحلها على المتوسط، وفي حال قيام تركيا بذات الخطوة ابتداء من شرق مدينة أنطاليا الساحلية ووصولاً إلى غربها عند مدينة فتحية ومن ثم نزولاً بعمق إلى نقطة المنتصف بين مصر وتركيا في قلب البحر المتوسط في حال أبرم البلدان تفاهماً بخصوص ذلك، وهو ما سيرفع نصيب مصر وتركيا بمئات المرات عن حصتهما من المياه الإقليمية الحالية. وتأسيساً على وجود حدود بحرية بين مصر وتركيا يمكن التفاهم بينهما على حدود هذه المنطقة الاقتصادية الخالصة بينهما، طبقاً للقانون الدولي للبحار، وكل ذلك سيمثل إضافة جيو - سياسية لا تقدر بثمن لتركيا. كما أن الاتفاق على منطقة اقتصادية خالصة واقتسامها بين البلدين سيرسيان التعاون والتنسيق بينهما بالفعل إلى مستوى «التحالف الاستراتيجي».
6- فوائد اقتصادية - سياسية من الأسواق المصرية: تمثل مصر سوقاً كبيرة لتصريف المنتوجات التركية (80 مليون نسمة)، وبالتالي سيؤدي تحسين العلاقات مع مصر إلى فتح الأبواب أكثر فأكثر أمام الصادرات والاستثمارات التركية. ومن المعلوم أن الشركات الصغيرة والمتوسطة في تركيا لها مصلحة كبيرة في النفاذ إلى الأسواق العربية، نظراً لصعوبة الشروط التنافسية نسبياً في الأسواق الأوروبية. كما أن غالبية الشركات المذكورة تتمركز في الأناضول وتشكل معيناً اقتصادياً-اجتماعياً لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم، بحيث تلازم صعودها السياسي في المجتمع التركي مع صعود هذا الحزب.
سيناريوهات العلاقات المصرية ـ التركية بعد 25 يناير
أولا: سيناريو التحالف
تقترب القاهرة وأنقرة من بعضهما البعض، وفق هذا السيناريو، بحيث يرتفع سقف العلاقات المصرية - التركية وصولاً إلى مرحلة التحالف الاستراتيجي. وساهم بروز جماعة «الإخوان المسلمين» كأكبر فصيل سياسي في مصر، وعلاقاتها الممتازة مع حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا، في وضع العلاقات على سكة نوعية جديدة. أما على المستوى الإقليمي، فيبدو أن هناك سياقاً إقليمياً جديداً ينشأ عقب نجاح حزب «النهضة» في تونس، وحزب «العدالة والتنمية» في المغرب بالانتخابات البرلمانية، بالتوازي مع الحضور الواضح للإسلاميين في المشهد الليبي، معطوفاً على الحضور المحتمل جداً لجماعة «الإخوان المسلمين» في أروقة القرار في سوريا بعد تغيير النظام الحالي. ومن نافل القول ان هذا السياق الإقليمي الجديد يعد مؤاتياً لجماعة «الإخوان المسلمين» في مصر وحزب «العدالة والتنمية» في تركيا، وهو ما سيدفع - على الأرجح - أيضاً بالعلاقات بين مصر وتركيا إلى آفاق أرحب. يجد هذا السيناريو أكثر احتمالات تحققه في حال تسليم المؤسسة العسكرية الحاكمة لمصر السلطة إلى البرلمان المنتخب، الذي يملك فيه «الإخوان المسلمون» أكبر كتلة نيابية. ويملك هذا السيناريو أسباباً جيدة للتحقق في ضوء التشابهات بين البلدين، ومصالحهما المشتركة وعلى خلفية التقارب الأيديولوجي - نسبياً - بين حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا مع جماعة «الإخوان المسلمين». تتعامل المصالح الوطنية والتوازنات الإقليمية - باعتبارها منتجا ديناميكيا - مع أسباب القوة ووسائل إدارتها، بما يحقق المصالح الوطنية بالتعاون مع بعض الأطراف الإقليمية وفي مواجهة أطراف إقليمية أخرى. وإذ لا ينطلق هذا المنتج الديناميكي من فرضيات وأحكام مسبقة، على النحو الذي تقوم به الأيديولوجيا، إلا أن الأخيرة تلعب مع ذلك دوراً مساعداً على التقارب والتعاون.
تستطيع القاهرة، وفق هذا السيناريو، الاقتراب من تحقيق الفوائد الخمس التالية:
1- تجسير الفجوة بين الطموح السياسي والواقع الاقتصادي: اصطدمت الأدوار الإقليمية المصرية تاريخياً بمعضلة الفجوة القائمة بين الطموح السياسي والواقع الاقتصادي، وتفاقم الأمر بعد الفورة النفطية في سبعينيات القرن الماضي، وما زال العامل الاقتصادي أهم الكوابح لعودة مصر إلى توازنات الإقليم. تملك تركيا - نظرياً - القدرة على تحديث فروع بعينها في الاقتصاد المصري مقارنة بكل من السعودية وإيران وإسرائيل، ولذلك فإن العلاقات الاقتصادية مع تركيا تشكل رافداً محتملاً لتجسير فجوة السياسة - الاقتصاد في مصر، ما يحسن المواقع المصرية إقليمياً.
- تسهيل العودة إلى توازنات الإقليم: تعاني مصر من تراجع حضورها الإقليمي في العقود الأخيرة، بالترافق مع ازدياد الحضور الإقليمي التركي، وترتيباً على ذلك سترتبط عودة مصر إلى توازنات الإقليم بقبول الأطراف الإقليمية الفاعلة لتلك العودة ورغبتها في التعاون معها، هنا من الممكن أن تلعب تركيا دوراً مسهلاً لعودة مصر إلى توازنات الإقليم. وإذ تقضي التوازنات الإقليمية الجديدة في المنطقة بأن «النظام الإقليمي العربي» في أضعف حالاته، وأن تركيا أصبحت لاعباً أساسياً في المنطقة بالنظر إلى مساحات التأثير التي تملكها، وبالتالي ستبزغ منطقيا خريطة تحالفات جديدة بين أطراف عربية وتركيا لرسم النظام الإقليمي الجديد. من هنا فإن تطوير العلاقات المصرية - التركية يعد شرطاً أساسياً للحفاظ على مواقع مصر في النظام الإقليمي البازغ وعدم تحييدها عن خريطة تحالفاته.
3- تحجيم إسرائيل في شرق المتوسط: يفترض أن تتشارك مصر مع تركيا في هدف تحجيم إسرائيل بمنطقة شرق المتوسط. ولا يعني ذلك أن مصر بصدد إلغاء «اتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية»، وإنما العودة إلى مساحات التأثير في المنطقة بالوسائل السلمية وبالتحالفات الإقليمية.
4- توافر معادلة العائد/ الثمن: لا يتطلب التعاون والتنسيق مع تركيا ثمناً خارجياً باهظاً، بسبب كونه ضمن النظام الدولي الراهن وتوازناته.
5- الاستفادة من التجارب التركية: تقدم التجارب التركية جوانب ناجحة للنظام السياسي المرتقب في مصر يمكن الاستفادة منها: النموذج الاقتصادي الذي تقدمه تركيا باعتبارها أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط، تكوين اللوبي في الولايات المتحدة الأميركية، تنظيم الجاليات المصرية في أوروبا بحيث يكون لها تأثير على صانع القرار في دول تواجدهم، وذلك على غرار تنظيم الجاليات التركية في ألمانيا والنمسا وبلجيكا وهولندا.

 

 

تركيا والتغيرات السياسية في مصر..(1)

مليحة بنلي ألتونيشيك
كانت العلاقات المصرية ـ التركية خلال الحرب الباردة متباعدة، ويسودها النزاع في بعض الأحيان. وفي حين أخذت تركيا موقعها ضمن المعسكر الغربي خلال الحرب الباردة بانضمامها كعضو في منظمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» عام 1952، أصبحت مصر، خلال رئاسة ناصر، جزءاً من كتلة «عدم الانحياز». وقامت عام 1958 خاصة بتطوير علاقات وثيقة ـ بما في ذلك الروابط العسكرية ـ مع الاتحاد السوفياتي. وخلال هذه الفترة وتحت حكم ناصر، أصبحت مصر طليعة القومية العربية وزعيمة العالم العربي مما جعلها أهم لاعب إقليمي في الشرق الأوسط. وكان ينظر للسياسة التركية في الشرق الأوسط خلال الخمسينيات على أنها تمثل تحدياً لهذا الدور القيادي، ولا سيما عندما يتعـلق الأمر بترويج المصالح الغربية في الشرق الأوسط. أما تركيا فقد نظرت إلى القومية العربية ونظام ناصر باعتباره حليفاً للاتحاد السوفياتي، مما يوفر لموسكو فرصاً لمد نفوذها في المنطقة. ونظراً لشعورها بتهديد الاتحاد السوفيــاتي لها، فقد تشــاركت تركيا مع حلفائها في «الناتو» في النظرة القاضــية باحتواء هذا البلد. وفي المجال الداخلي التزم «الحزب الديموقراطي»، الذي صعد إلى السلطة في الخمسينيات وحكم تركيا لغاية الستينيات، التزاماً صارماً تجاه الكتلة الغربيـة وعقيدتهـا المناوئة للشيــوعية، وساند الحركات المناهضة للشيوعية لها في الشرق الأوسط. وضمن هذا الإطار، فإن تركيا لم تكتف بأن تصـبح جزءاً من «حلــف بغداد» عام 1955، وإنما سعت أيضاً وبشكل نشط إلى اجتذاب الدول العربية ذات الهوى الغربي لعضويته. وقد أدى نشـوء «حلف بغداد» إلى احتدام المنافسة ما بين مصر وتركيا. وكان ناصر قد وصف هذا الحلف ـ وخاصة مع وجـود العضـوية البريطانية فيه ـ بأنه مثال آخر على الاستعمار الغربي. وعليه فقد ساعد «حلف بغداد» على تثبيت نفوذ ناصر في المنطقة، وحتى الدول العربية ذات التوجه الغربي رفضت الانضـمام إليه خوفاً من الانتقاد الداخلي. انتهى الحلف بعد إطاحــة الملــكية العراقية عام 1958.
بدأت تركيا منذ أواسط الستينيات بالإعراب عن آمالها لتطوير علاقات جيدة مع العالم العربي، وفي شهر يناير/كانون الثاني عام 1965 أعطى وزير الخارجية التركي، فريدون كمـال إيركين، إشارات حول هذه السياسة الجديدة خلال خطاب له في مجلس الشيوخ. فقد ذكر أن علاقات تركيا مع البــلدان العـربية تشكل أحد أهم مظاهر السياسة الخارجية الـتركية، مضــيفاً «لقد اعترى سوء الفهم سياستنا تجاه القضايا المشتركة للعالم العربي... وفي ما يخص التطورات الصحية المستقبلية مع هذه الأقطار فإننا نجد أنه من المفيد استبدال هذه بأخرى صحيحة». وقد وفرت الحرب العربية ـ الاسرائيلية عام 1967 فرصة لتركيا لعرض سياستها الجديدة، حيث جرت طمأنة بلدان الشرق الأوسط باستحالة قيام الولايات المتحدة باستخدام قواعـد وتسهيلات «حلف الناتو». كما ساندت تركيا الموقف العربي بخـصوص القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة، حيث صوتت تركيا لمصلحة كل القرارات التي دعت إسرائيل إلى سحب قواتها من الأراضي المحتلة.
رحب العالم العربي بهذا التغير في الــتوجه الــتركي، وترافق مع زيارات على مستوى عال. كما قررت تركيا المشاركة في أول مؤتمر إسلامي انعقد في العام 1969. وزاد التحسن في العلاقات التركية - العربية بعد الحرب العربية ـ الاسرائيلية في شهر أكتوبر/ تشرين الأول 1973. أعادت تركيا حيـنها الإعلان مرة أخرى بأنها لن تسمح بأي استـخدام عسـكري للـقواعد التركية من أجـل مساعـدة إسرائـيل؛ وبالإضـافة إلى ذلك، فقد قبـلت تركيا بحق الشعب الفلسطـيني بإقامـة دولته المسـتقلة. وفي شهر يناير/ كانون الثاني عام 1975 اعترفت تركيا بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلـسطيني. ومنذ أواسط السبعينيات طوّرت تركيا خاصة علاقات اقتصادية واسعة مع الدول العربية المنتجة للنفط، وفي موازاة تحسين علاقاتها مع البلدان العربية خفضت تركيا درجة علاقاتها مع إسرائيل. وفي يوم 2 ديسمبر/ كانون الاول 1980 وبعد قرار إسرائيل ضم القدس الشرقية، خفضت تركيا مستوى علاقاتها الدبلوماسية لأدنى مستوى. كانت هناك أسباب عديدة لهذا التحول في تعريف مصالح تركيا في المنطقة. فبعد انهيار «اتفاقية تقاسم السلطة» في قبرص عام 1964، ونشوب العنف بين مكونات شعبها، وجدت تركيا نفسها معزولة دولياً. وأدى نزاع قبرص إلى حدوث صدام ما بين المصالح الوطنية لتركيا والغرب. ونظراً لكونها أصبحت معزولة ضمن كتلتها فقد قررت مد يدها نحو أقطار أخرى، بما في ذلك العالم العربي والإسلامي للحصول على تأييدها في موضوع قبرص. ولاحقاً أجبرت أزمة النفط عامي 1973-1974 تركيا، المعتمدة على النفط، على إقامة علاقات جيدة مع العالم العربي.
أدت هذه التطورات إلى بدء نقاش داخلي حول ضرورة وجود سياسة خارجية متعددة الأبعاد، وازداد الجدل حدة ضمن إطار دستور 1961 الأكثر ليبرالية. وفي هذا الجو استخدمت الأحزاب السياسية مضامين تضامن إسلامية، ومن العالم الثالث، لحشد الدعم لسياساتها الشرق أوسطية. ولم يكلف هذا الموقف شيـئاً ولاقى شعبية لدى الجمهور. وفي الحقـيقة فإن انطباعـات تركيا عن الأخطار القادمة من المنطقة قد تناقصت، وخصوصاً بعد ميل ميزان القوى الإقليمي نحو الدول المحافظة بعد العام 1967. كما كان هناك أيضاً منافع اقتصادية واضحة. وانعكس تأييد تركيا للقضية الفلسطينية وتحسن علاقاتها مع العالم العربي - إلى حد ما - على العلاقات المصرية ـ التركية. وفي الوقت نفـسه، فإن مجيء أنور السادات إلى السلطة، وانحياز مصر نحو الولايات المتحدة قد أزال صدعاً رئيسياً في العلاقات بين البلــدين، وهو ما سمح بتطبيع العلاقات التركية ـ المصرية، ولكن علاقات الدولتين بقيت محدودة مع ذلك. ولغاية انتــهاء الحرب الــباردة كانت تركيا تحاول النأي بنفسها عن المنطقة، ما عدا تطوير علاقات اقتصادية، أما مصر فقد أصبحت معزولة في العالم العربي بعد التوقيع على اتفاقيات «كامب ديفيد» مع إسرائيل. ولم تصبح العلاقات بين مصر وتركيا مهمة مرة أخرى إلا بعد انتهاء الحرب الباردة، عندما عاد كلا البلدين إلى الشرق الأوسط. وقد أشار انتهاء الحرب الباردة إلى ظهور حقبة جديدة في الشرق الأوسط. فتفكك الاتحاد السوفياتي وأزمة الخليج عامي 1990-1991، وهما تطوران وصفهما محمد حسنين هيكل بـ«الهزة السوفياتية» و«الهزة العربية»، أثرتا على السياسات الإقليمية. وكان لمحاولات العالم العربي التعامل مع نتائج هذه التطورات الهائلة، وإنشاء نظام شرق أوسطي جديد، تأثير في قيام التعاون بين مصر وسوريا والسعودية من خلال مبادرة «إعلان دمشق». سمح هذا الإطار الجديد بعودة مصر إلى المجموعة العربية، كما أن عملية السلام العربية ـ الإسرائيلـية التي بدأت بـ«مؤتمر مدريد للسلام» في العام 1991 قد أزالت لطخة مصر الناجم عن عقدها سلاماً مع إسرائيل.
عادت تركيا أيضاً إلى الشرق الأوسط في التسعينيات، وتميزت هذه العودة بتحول مهم في سياستها تجاه المنطقة. وبعد حرب الخليج فإنه أخذ ينظر إلى التطورات في المنطقة على أنها تمثل مشاكل صعبة بالنسبة لتركيا، ولذلك فقد جرى إعادة تعريف لمصالح تركيا الوطنية وللتهديدات. وقد استندت السياسة الجديدة الى الاعتقاد بأنه في فترة ما بعد الحرب الباردة تواجه تركيا تهديداً لوحدتها الإقليمية من الجنوب؛ أي من الشرق الأوسط. وتم تصنيف القضية الكردية، وما نظر إليه على أنه تهديد من الإسلامية الناهضة، باعتبارهما يشكلان التهديد الرئيسي الذي تواجهه تركيا، وأن كلا من هذين التهديدين له أبعاد شرق أوسطية. وعليه فقد تحولت أولوية تركيا الاستراتيجية نحو الشرق الأوسط، فأصبحت السياسة التركية ناشطة، ولكن ضمن تركيز أمني ضيق. لدى تركيا مشاكل مع كل جيرانها الشرق أوسطيين. ومن أجل التعامل مع البيئة الأمنية الجديدة، تبنت تركيا أدوات سياسية تقليدية تستند إلى لعبة القوى، وكان من أبرزها التماهي مع إسرائيل. وقد أدى النشاط التركي الجديد في الشرق الأوسط، وخاصة مشاكلها مع سوريا، وتماهيها مع إسرائيل، إلى زيادة انتقاد العالم العربي، بما في ذلك مصر. واستطاعت سوريا تحويل قضية المياه بين سوريا وتركيا إلى قضــية عربيـة، وتبـنت الجامعة العربية بيانات تنتقد سياسات تركيا المائية. وكان هناك انخراط إيجابي واحد بين مصر وتركيا، عندما قامت مصر بدور الوسيط في الأزمة السورية ـ التركية في شهر أكتوبر/ تشرين أول عام 1998. ونظراً للقلق حول احتمال قيام اشتباك عسكري بين البلدين، ونظراً لكونها تحتفظ بعلاقات مع كلا الجانبين فقد حاولت مصر تحويل هذه المسألة إلى فرصة لزيادة دورها في المنطقة في الحقبة الجديدة. وقد قام الرئيس المصري حينها حسني مبارك بزيارات طوارئ إلى كل من أنقره ودمشق حيث نجح في نزع فتيل الأزمة.
تميزت العلاقات التركية - العربية حتى نهاية التسعينيات، على وجه العموم، بالشكوك وعدم الثقة المتبادلة. وانعكس هذا بوضوح في العلاقات التركية - المصرية، المضاف إليها الحس التاريخي في المنافسة بين القوتين الاقليميتين. وخلال أوائل القرن الحالي حصلت نقلة أخرى في السياسة الخارجية التركية تجاه الشرق الأوسط؛ فبعد وصول «حزب العدالة والتنمية» إلى السلطة أخذت العلاقات التركية - العربية بالتحسن في شكل ملحوظ. وطورت تركيا خلال هذه الفترة مفهوماً جديداً لانخراطها مع المنطقة. وعلى خلاف السياسة التركية الإقليمية التقليدية فقد ركزت الرؤية الجديدة على الانخراط تفاعليا بدلاً من سياسة رد الفعل، والفرص بدلاً من التهديدات. ودعت تركيا إلى سياسة «تصفير المشاكل» مع الجيران، والنظر إلى العلاقات الثقافية والتاريخية على أنها أمر إيجابي وفي خانة الأصول. وضمن هذا الإطار، فقد جرى التأكيد على الحلول ذات الأبعاد المتعددة والاعتماد المتبادل والمؤدية إلى الربح دوماً. وعلى العموم فقد روّجت تركيا رؤية تؤكد على الاستقرار والسلام والازدهار في المنطقة، حيث إنه كان ينظر إلى مثل هذه المنطقة على أنها تمثل مصلحة تركية. فشرق أوسط مستقر ومزدهر يوفر ليس فقط الأمن لتركيا، ولكنه سيخلق فرصاً اقتصادية للصناعة التركية الآخذة في التطور. وعلى الصعيد العملي فإن هذه الرؤية الجديدة كانت تعني تحسين علاقات تركيا مع جيرانها الشرق أوسطيين، والانخراط في نشاطات وساطة في النزاعات وتطوير علاقات اقتصادية قوية مع الإقليم، والتأكيد على القوة الناعمة بدلاً من قوة تركيا العسكرية. وانعكس التحسن العام في العلاقات بين تركيا والبلدان العربية على العلاقات التركية - المصرية التي تحسنت منذ سنة 2000، وزاد التواصل على مستوى القيادات. وفي العام 2007 جرى في اسطنبول توقيع «مذكرة إطار حول التعاون الاستراتيجي التركي ـ المصري» بين وزيري خارجية البلدين.
استمرت الرؤية الاستراتيجية لكل من مصر وتركيا في التباين، وتمثلت إحدى نقاط التباين في المواقف كانت إيران. ففي السنوات التي تلت العام 2000، أصبحت مصر مبارك لاعباً مهماً مع السعودية في حلف ضد إيران في المنطقة. وكانت سياستهما في احتواء إيران أحد الأسباب التي رحبا بها بالنشاط التركي في الشرق الأوسط. إلا أن تركيا رفضت أن تكون جزءاً مما سمي بـ«الكتلة السنية» في المنطقة، واستمرت في اتباع سياسة الانخراط مع إيران. وهناك افتراق ثان بين مصر وتركيا تمثل في القضية الفلسطينية. لقد زاد انتقاد تركيا لإسرائيل، وخاصة بعد حرب غزة خلال عامي 2008-2009. وكرد فعل على الحرب قام رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، بجولة في المنطقة شملت سوريا والأردن ومصر والمملكة العربية السعودية لبحث ما يمكن عمله لوقف الحرب، إلا أن تلك الزيارة لم تؤد إلى نتائج كثيرة. وبعد الحرب قامت حكومة «حزب العدالة والتنمية» بانتقاد وتحدي حصار غزة، الذي كانت تطبقه كل من إسرائيل ومصر على قطاع غزة. وأدت سياسة تركيا تجاه القضية الفلسطينية، وتدهور علاقاتها مع إسرائيل إلى انزعاج مبارك. لقد أخذ ينظر إلى تركيا على أنها تساند «حماس»، وهي منظمة كان ينظر إليها من قبل مصر على أنها عائق أمام السلام. كما أن نظام مبارك لم يستسغ ما كان ينظر إليه على أنه مساس بالقضية الوحيدة التي له بعض النفوذ حولها في المنطقة. ونظراً لإدراك تركيا لهذه الحساسيات المصرية، فإنها أكدت أن دورها هو مكمل لمـصر، وأن تركــيا لا تحاول «سرقة دور من مصر». وتمثلت المشكلة الثانية لمصر في سياسة تركيا الجديدة في الشرق الأوسط، إذ ان خطاب وسـياسة حكومة «حزب العدالة والتنمية»، قد جعلا تركيا محبوبة شعبياً في العالم العربي. وأزعجت هذه الشعبية الأنظمة، حيث إن ذلك كان يعني ضمنياً انتقاداً لعدم قدرة هذه الأنظمة على فعل الشيء نفسه.
تطورت العلاقات الاقتصادية إيجابا بين مصر وتركيا خلال العقد الأول من القرن الجديد، على العكس من التباينات في ما يخص الرؤى الجغرافية ـ السياسية. كان حجم التجارة بين البلدين يميل لمصلحة تركيا، ومن أجل الوصول إلى توازن ما قبلت تركيا بـ15 سنة من البضائع المصرية الحساسة في اتفاقية التجارة الحرة. إضافة إلى ذلك، حصلت البضائع الزراعية المصرية على المزيد من التنازلات. وفي الواقع، وصلت الصادرات المصرية إلى تركيا أيضا إلى حوالى مليار دولار في عام 2010، بعد أن كانت حوالى 300 مليون دولار في عام 2005. وبالإضافة إلى التجارة، فقد زادت الاستثمارات التركية في مصر ووصلت إلى مليار ونصف المليار دولار عام 2009 من 60 مليون دولار عام 2005. وكانت معظم الاستثمارات التركية في قطاع الملابس في كل من القاهرة والاسكندرية ودمياط وبورسعيد. هناك أكثر من 70 شركة تركية تعمل في مصر، بعضها يعمل في استثمارات مشتركة مع شركات مصرية. ومن المقدر أن الاستثمارات التركية قد وفرت فرص عمل لحوالى 50 ألف عامل مصري.
[[ جامعة الشرق الأوسط التقنية، دائرة العلاقات الدولية ـ أنقرة.
 
مصر وتركيا ... قطبان لا يلتقيان ؟ 2
تركيا والتغيرات السياسية في مصر (2)
مليحة بنلي ألتونيشيك
} تركيا بحاجة إلى مصر قوية من أجل توازن إقليمي ـ } العلاقات الاقتصادية وزيادة التعاون هو لمصلحة الديموقراطية في مصر ـ } توقع ازدياد الاستثمارات التركية كبير وقد يرتفع التبادل التجاري من 1,5 مليار دولار إلى 15 مليار دولار في العام 2015 ـ } اتضح لتركيا ان جماعة «الاخوان المسلمين» تتبنى علاقة أكثر عملية مع اسرائيل، على الأقل في المدى المنظور ـ } شكوك «الاخوان» في مصر سببها علمانية تركيا وإسلامية الحكومة.
تفاجأت تركيا مثل غيرها عندما بدأت الانتفاضات العربية، فأسرع رئيس الوزراء أردوغان، بالطلب من مبارك الاستماع إلى صوت الشعب والرحيل. وأثناء مخاطبته المجموعة البرلمانية لـ«حزب العدالة والتنمية» في اليوم الأول من شهر فبراير/شباط 2011 قال أردوغان:
« يا مبارك! نحن جميعاً بشر ولسنا مخلدين. سنموت يوماً ما وسيتم سؤالنا عن الأمور التي تركناها وراءنا. والشيء المهم هو أن تترك خلفك ذكريات حلوة. إننا نحن لشعوبنا. وعندما نموت فإن الإمام سوف لن يصلي من أجل رئيس الوزراء، أو الرئيس، وإنما سيصلي من أجل الانسان. إن الأمر عائد إليك لاستحقاق الصلوات الطيبة أو السيئة. وعليك الاستماع لمطالب الشعب وأن تعي مطالبه المحقة)(1). وبعد يوم واحد من خلع مبارك، قام أردوغان هذه المرة بالحث على انتخابات حرة ونزيهة والانتقال نحو ديموقراطية دستورية في مصر «بدون السماح للفوضى وعدم الاستقرار والاستفزاز بشكل خاص»(2). وفي شهر مارس/آذار قام الرئيس التركي عبد الله غول بزيارة مصر، وأجرى محادثات مع رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، محمد حسين طنطاوي، وعدد من قادة المعارضة بمن في ذلك زعيم «الإخوان المسلمين» محمد بديع، ورئيس حزب الغد الليبرالي أيمن نور، والنشطاء الشباب الذين قادوا المظاهرات في ميدان التحرير. وتلت ذلك زيارة رئيس الوزراء أردوغان في الفترة ما بين 12-14 سبتمبر/أيلول 2011، كجزء من جولة شملت ثلاثة أقطار في شمال أفريقيا مرت بتجارب تغيير الأنظمة بسبب الانتفاضات. استُقبل أردوغان بحفاوة في مصر، حيث أبرزت زيارته القضايا المهمة التي ستؤثر على العلاقات التركية ـ المصرية في الحقبة الجديدة. وتم التوقيع على 12 مذكرة تفاهم وبرتوكول تعاون في القطاعات المختلفة، بما في ذلك الإعلان المشترك حول تشكيل «مجلس التعاون التركي - المصري المشترك».
الآفاق المستقبلية
أعطتنا خصائص زيارة أردوغان إلى مصر بعض الدلالات حول الفرص والتحديات في العلاقات الثنائية، في فترة ما بعد مبارك. وبرزت بشكل خاص ثلاثة مجالات واضحة للتعاون: استراتيجية واقتصادية وسياسية. وبدأت تركيا بالدفع باتجاه «شراكة استراتيجية جديدة» مع مصر ما بعد مبارك. ويمثل هذا عنصراً جديداً ظهر استجابة لتغير النظام السياسي الإقليمي في الشرق الأوسط، في الفترة التي تلت الانتفاضات العربية. فالاضطراب الحاصل في سوريا، وعزلة قوتين إقليميتين رئيسيتين هما إيران وإسرائيل، وتناقص دور الولايات المتحدة الأميركية قد أوجدت مشهداً اقليمياً جديداً. فتركيا، على خلاف التوقعات بحدوث منافسة ما بين مصر وتركيا في فترة ما بعد الربيع العربي، ـ اثر نهوض نفوذ مصر الإقليمي ـ بدأت الدفع باتجاه شراكة استراتيجية مع مصر. وأكد وزير الخارجية التركي، أحمد داود اوغلو، أهمية ذلك بالقول: «من أجل توازن قوى إقليمي نحتاج إلى مصر قوية. وقد يعتقد البعض أن هناك تنافساً ما بين مصر وتركيا. لا. هذا هو قرارنا الاستراتيجي. إننا بحاجة إلى مصر قوية الآن»(3). وعليه يصبح تطوير التعاون الاستراتيجي التركي ـ المصري تطوراً مهماً له نتائج واسعة على كافة أرجاء الشرق الأوسط. والموضوع الثاني يتعلق بالتعاون الاقتصادي. وكما سبق ذكره، فإن العلاقات الاقتصادية التركية - المصرية كانت تتطور منذ بدايات الألفية الجديدة. وقد ظهر أن كلا البلدين كان راغبا في تطوير هذه العلاقات أكثر في الحقبة الجديدة. إن وجود 280 من رجال الأعمال في وفد أردوغان يدل على هذا الهدف. وخلال الزيارة تحدث أردوغان عن المساعدة العملية على شكل تجارة واستثمار ومساعدة مالية، وتم خلال الزيارة قيام البلدين بالتوقيع على ما مجموعة مليار دولار من العقود في يوم واحد. وتوقع أحمد داود أوغلو، ازدياد استثمارات تركيا في مصر من 1,5 مليار دولار لتصبح 5 مليارات دولار خلال سنتين وأن تزداد التجارة الكلية لتصبح 15 مليار دولار في العام 2015.
إن ازدياد التعاون الاقتصادي هو من الأمور الحاسمة لتطوير الديموقراطية»(4)، وهناك أيضا احتمالات متزايدة بإطلاق خط للنقل البحري من ميناء مرسين التركي على البحر المتوسط لميناء الإسكندرية، الذي يكتسب أهمية متزايدة نظرا لأن تركيا تواجه صعوبات استخدام النقل البري عبر سوريا لتصدير بضائعها إلى الشرق الأوسط.
يتمثل العنصر الثالث في إمكان التعاون في تطوير الديموقراطية، حيث ان تركيا راغبة في المشاركة بتجاربها بما في ذلك نجاحاتها بالإضافة لدروس الفشل، وفي هذا الصدد تبلورت عدة مبادرات من قبل الحكومة ومنظمات المجتمع المدني. وهناك مثال مثير للاهتمام تمثل بدعوة 51 من شباب مصر من قبل «حزب العدالة والتنمية» للسفر إلى تركيا، والتجول في البلد لمراقبة التحضيرات الخاصة بالانتخابات البرلمانية في يونيو/ حزيران 2011. كما قام عدد من الشباب القادة من «الإخوان المسلمين» و«الوسط» و«حركة 6 أبريل» بزيارة تركيا واللقاء مع الرئيس غول، وتابعوا حملات أردوغان الانتخابية، وزاروا «حزب الشعب الجمهوري» المعارض(5). وعلى نحو مشابه اجتمع قادة «قمة التغيير» في اسطنبول بهدف جمع المفكرين من تركيا والعالم العربي حول موضوع تطور الديموقراطية التركية الحديثة. وتوجد أيضاً اجتماعات للتشارك في التجارب التركية حول تطوير مؤسسات الأعمال الصغيرة. وبالإضافة إلى فرص التعاون الجديدة بين تركيا ومصر في فترة ما بعد مبارك، فإنه توجد أيضاً احتمالات وجود محددات لذلك. واحدى هذه القضايا المحتملة هي العلاقات مع إسرائيل، حيث جاءت زيارة أردوغان إلى القاهرة في أعقاب الغضب الشعبي ضد إسرائيل والهجوم على السفارة الإسرائيلية في القاهرة. وهكذا سعى «حزب العدالة والتنمية» لتهدئة الغضب الشعبي واحتمال قلق الحزب من استخدام أردوغان خطاباً مغالياً ضد إسرائيل.
أصبح واضحاً أنه ليس فقط «حزب العدالة والتنمية»، وإنما جماعة «الإخوان المسلمين» بدت كأنها تتبنى علاقة أكثر عملية مع إسرائيل، على الأقل في المدى المنظور. وخلاصة القول فإن انتقادات أردوغان لإسرائيل قد تكون ذات شعبية لدى الجمهور، لكنها قد تضع الحاكمين في مصر في موقف صعب. والقضية الأخرى تكمن في مدى صلة تجارب تركيا بدمقرطة مصر، فالجهات العلمانية والليبرالية في مصر تنظر أحياناً بعين الشك إلى علاقات تركيا مع «الإخوان المسلمين». كما أن الجيل القديم من «الإخوان المسلمين» مستمر بالنظر بعين الشك إلى تجارب تركيا و«حزب العدالة والتنمية»؛ على الرغم من أن جيل الشباب ينظر بإيجابية إلى ذلك الحزب.
كمثال على احتمال بروز توتر، فقد تم اثناء زيارة أردوغان، إجراؤه مقابلة مع صحيفة «المصري اليوم»، ذكر فيها أنه يمكن للمرء أن يكون متديناً لكن الدولة يجب أن تكون علمانية. وقد أثار ذلك انتقاد «الإخوان المسلمين»، حيث ذكر عصام العريان، نائب زعيم حزب الحرية والعدالة التابع لـ «الإخوان المسلمين»، أننا «نرحب بتركيا ونرحب بأردوغان كقائد بارز، لكننا لا نعتقد أنه هو وحده أو بلده وحدها، من يجب ان يقودا المنطقة أو رسم مستقبلها»(6). باختصار، مع التغيرات التي حدثت في 25 كانون الثاني 2011، دخلت العلاقات التركية - المصرية عهداً جديداً. إن تطور العلاقات المستقبلية بين دولتين تعتبران من الدول ذات الشأن الهام في المنطقة، سيكون له تأثير كبير على تطور نظام إقليمي جديد. هناك فوائد اقتصادية أخرى واضحة العيان سيجنيها كلا الجانبين.
أخيرا، يمكن للبلدين أن يتعاونا في توطيد عملية الانتقال في مصر. ففي أعقاب الانتفاضات العربية، يبدو أن التعاون مع مصر قد اكتسب أهمية جديدة بالنسبة لتركيا. ويعتبر الانتقال الناجح في مصر أمراً ضرورياً لاستقرار منطقة الشرق الأوسط ولنجاح الثورات العربية في أماكن أخرى. من وجهة نظر مصر، فإن العلاقات مع تركيا، بالمقارنة مع القوى الإقليمية الأخرى، تضع أمامها تحديات أقل. وهكذا، يمكن للمرء أن يتوقع استمرار العلاقات بين البلدين في هذه الحقبة الجديدة.
هوامش
1ـ قيام أردوغان بحث مبارك للاستماع إلى مطالب شعبه في التغيير. Today’s Zaman, February 2.2011
وعلى الرابط
http://www.todayszaman.com/news.evdogan
urges Mubarak to heed peoples call for change.html
2ـ دعوة اردوغان لانتخابات حرة في مصر بعد انسحاب مبارك. Turkishpress.com
http://www.turkishpress.com/news?id=364089
3ـ انتوني شديد «تتوقع تركيا تحالفاً مع مصر كمرساتين اقليميتين». نيويورك تايمز 18/9/2011.
4ـ ذكر (أوغلو) «من أجل الديموقراطية نحتاج إلى اقتصاد قوي». مقابلة (داووادغلو) موجودة في «ديموكراسي سفيري» (بقية الديموقراطية) «صباح» 17/6/2011.
5ـ زيارة الشباب المصري لحزب الشعب الجهوري. Haberler.com
6ـ «تحذير الاسلاميين المصريين لرئيس الوزراء التركي حول الدور الاقليمي». المصري اليوم (النسخة الانكليزية) 14/9/2011.
جامعة الشرق الاوسط التقنية، دائرة العلاقات الدولية، أنقرة ـ تركيا.

One Year After the Beirut Port Blast

 الخميس 5 آب 2021 - 9:57 ص

Picking Up the Pieces One Year After the Beirut Port Blast The enormous explosion that ripped thr… تتمة »

عدد الزيارات: 69,720,570

عدد الزوار: 1,872,300

المتواجدون الآن: 53