الملف النووي الإيراني وتداعياته في المنطقة (1)

تاريخ الإضافة الثلاثاء 16 كانون الأول 2008 - 8:28 ص    عدد الزيارات 1108    التعليقات 0

        

رنا أبو ظهر الرفاعي (*)

ألقت الباحثة رنا أبو ظهر الرفاعي محاضرة في رابطة أدباء الكويت بتاريخ 17/11/2008 حول الملف النووي الايراني وتداعياته على المنطقة. وبسبب من طول المادة، سوف تنشر صفحة فكر ورأي، على حلقتين مقتطفات واسعة منها تعميماً للفائدة ونظراً لأهمية الموضوع ومركزية هذا الملف في المرحلة الراهنة.
إن ملف ايران النووي يتطور ويتفاعل يوماً بعد يوم، ليصبح الازمة الاخطر والتي تشغل العالم أجمع منذ فترة طويلة.
إن الصراع السياسي حول الملف النووي الايراني تحول الى حالة مستعصية مزمنة تبدو تداعياتها خطيرة جداً على المنطقة وخصوصاً على الخليج العربي ولبنان وفلسطين والعراق.
إن المواجهة الاقليمية بين ايران من جهة وأميركا وحلفائها من جهة ثانية وصلت الى ذروة تفاعلها قبل وصول الرئيس أوباما الى الحكم، فيما خيار المفاوضات الديبلوماسية اصبح أفقه ضيقاً وأصبحت لغة التهديد والتصعيد واللجوء الى الخيارات العسكرية هي اللغة السائدة.
ان إيران تسعى الى لعب دور مهم في المنطقة عن طريق المضي في مشروعها النووي وتصميمها على الاستمرار في تخصيب اليورانيوم وتحدّيها للمجتمع الدولي برغم كل المساعي الاوروبية في محاولة لإقناعها بالتخلي عن برنامجها النووي.
لقد أثبت النموذج الايراني النووي انه نموذج يمكن ان يخيف دول الجوار والدول الكبرى نظراً لطموحات ايران الاقليمية ولما تشكله من خطر على المنطقة برمتها من المحيط الى الخليج.
العلاقات الايرانية ـ الاميركية
إن الادارة الاميركية تنظر الى ايران كدولة متطورة قوية تمثل الكثير من عناصر التحدي. والمعروف ان ايران تعتبر ثاني أكبر دولة منتجة للنفط في منظمة "أوبك" وهي تملك ثاني اضخم احتياطي للغاز الطبيعي في العالم، اضافة الى انها تحمل ارثاً تاريخياً امبراطورياً يمثل موقعاً استراتيجياً في منطقة الخليج وتقاطع دول آسيا الوسطى. لذا تعتبر اميركا ان ايران تشكل خطراً عليها وعلى اسرائيل وعلى الشرق الاوسط من خلال مشروعها النووي وأطماعها في السيطرة على المنطقة ونسفها لعوامل الاستقرار في المنطقة، من خلال:
أولاً: بناء ترسانة عسكرية ضخمة يدعمها مشروع السلاح النووي.
ثانياً: معارضة مشروع السلام الاسرائيلي ـ الفلسطيني ومحاولة إجهاضه من طريق منظمة حماس والمنظمات الجهادية.
ثالثاً: تشجيع الحركات الاسلامية المتطرفة وإنشاء جبهة تعارض التدخلات الغربية المتصاعدة.
ويعترف المسؤولون الاميركيون في البيت الابيض ان سياسة الاحتواء والحصار التي مورست ضد إيران فقدت تأثيرها، لأن واشنطن أخلّت أكثر من مرة بشروط الحصار. ففي عهد ريغان تم عقد صفقة سلاح سرية مع طهران، وفي عهد بوش الاب جرت محاولة تقارب ديبلوماسي أدت الى اطلاق سراح المخطوفين في لبنان عام (1991)، وفي عهد كلينتون سمحت الادارة الاميركية بنقل أسلحة من إيران الى مقاتلين في البوسنة، وفي عام (1995) لم يطبق الحظر على نقل النفط الايراني الى المصافي الاميركية، وأكثر من ذلك فإن الدول الاوروبية التي التزمت سياسة مقاطعة ايران اكتشفت ان الولايات المتحدة هي رابع دولة تقيم علاقات تجارية سرية مع طهران.
وكانت قد قامت من قبل علاقات تعاون روسي ايراني في مجالات الطاقة والتسلح، وباعت روسيا بموجب هذا التعاون لايران أكبر كمية ممكنة من الاسلحة قبل فرض حظر دولي عليها رغبة منها بتسليم ايران أسلحة متطورة بشكل يكفي لصد أي هجوم أميركي عليها.
التصعيد والمواجهة
إن معظم المحاولات المتكررة باللجوء الى حل ديبلوماسي وسياسي مع ايران، في قضية ملفها النووي، باءت حتى اليوم بالفشل، ما أدى الى تصاعد حدة المواجهة الكلامية بين ايران واميركا من جهة وبينها وبين اسرائيل من جهة أخرى، وهذا التصعيد يعود في الحقيقة الى عدة أسباب منها:
1 ـ ان المسؤولين الايرانيين مصممون على مواصلة عمليات التخصيب بما يمهد لاحقاً لامتلاكهم السلاح النووي متجاهلين بذلك كل المساعي الديبلوماسية والتحذيرات الدولية.
2 ـ ردت الدول الكبرى على هذا التوجه الايراني بوقف المحادثات مع طهران بعد محاولات عديدة غير مجدية، وعملت مجتمعة على رفع الملف النووي الى مجلس الامن الدولي الذي فرض عقوبات على ايران.
3 ـ بدت القيادة الايرانية غير مكترثة امام التهديد الاميركي باللجوء الى الحل العسكري للازمة، وذلك بعدم تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ما يسمح لها بمواصلة نشاطها النووي دون أي رقابة دولية عليها.
4 ـ تهديد الرئيس الايراني أحمدي نجاد بإزالة اسرائيل من الوجود وضربها في حال اللجوء الى ضربة عسكرية على ايران.
5 ـ اقتناع الدول الكبرى بأن البرنامج النووي الذي تدعي ايران انه أقيم لأهداف سلمية ومدنية ما هو في الواقع إلا تغطية لبرنامج نووي عسكري يهدد منطقة الشرق الاوسط.
6 ـ إمساك ايران بالورقة اللبنانية من خلال "حزب الله" والورقة الفلسطينية من خلال حماس، وتنامي نفوذها في العراق من خلال مجموعات متطرفة، وإمساكها بالورقة الشيعية فيه. فكلما اشتدت المواجهة وتوترت لجهة لهجة الملف النووي الايراني كلما زادت التوترات في لبنان وفلسطين والعراق من خلال النفوذ الايراني.
والواقع انه في الوقت الذي تحتاج فيه ايران الى دعم من دول الجوار بسبب الهجمة العالمية على تمسكها ببرنامجها النووي الذي تعتبره قضية وطنية ومسألة موت أو حياة لها، أظهرت دول الخليج كل نية حسنة من خلال مبادرات عربية عديدة. ولكن ايران قامت مع ذلك كله بإجراءات استفزازية غير مسوغة وغير مفهومة في الجزر الاماراتية الثلاث التي تحتلها منذ العام (1971).
وقد وصف المسؤولون الايرانيون البيان الاخير الذي صدر عن الامين العام لمجلس التعاون الخليجي بشأن الجزر الثلاث المتنازع عليها بأنه خطاب تصعيدي متأثر بتوجهات الدول الكبرى وسياساتها التي تهدف الى اشاعة الخلاف بين دول العالم الاسلامي.
لقد أصبحت علاقة ايران مع جيرانها علاقة شد وجذب، وعلى العقلاء في طهران ازالة كل ما من شأنه زيادة التشنجات في سبيل تأمين الاستقرار وحسن الجوار.
رهانات إيران على الشرق الأوسط
تراهن ايران حالياً على حدوث تغيرات ثورية جذرية داخل البنية الاساسية للقوى في الشرق الاوسط بالصورة التي تساعدها على تحقيق غايتها التوسعية الاستراتيجية. وعلى هذا فهي تستغل الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني وتستغل أيضاً اضطرابات لبنان وأحداث العراق وفلسطين فضلاً عن نفوذها في منطقة الخليج. وهذه التركيبة التي تتشكل من طموحات الهيمنة والجدال بشأن الوضع الراهن في المنطقة اضافة الى البرنامج النووي تشكل خطراً داهماً على السياسة الاميركية وخطط البيت الابيض في المستقبل القريب.
وتراهن ايران ايضاً على الصين وروسيا اللتين تحتلان موقعين دائمين في مجلس الامن ولهما حق استخدام الفيتو حيث تستطيعان التلويح به بحال فرض اي عقوبات على ايران.
وتجمع ايران بالصين وروسيا مصالح ومشاريع اقتصادية في قطاع النفط والغاز والسلاح العسكري النووي بحيث تقدر هذه المشاريع بمليارات الدولارات، وتأتي مساندة الصين وروسيا لايران من اجل الحفاظ على تلك المشاريع الضخمة فيما بينها ومحاولة الحصول على مواقع استراتيجية مهمة في العالم وخصوصاً في الشرق الاوسط.
بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان على اثر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي كان اغتياله بمثابة زلزال حيث نزل مئات الآلاف الى الشوارع يطالبون بالانسحاب السوري الذي ظل مهيمناً ثلاثين سنة ليس على القرار السياسي في لبنان فقط، وانما على جميع القطاعات والمؤسسات. اصبحت ايران الدولة الوحيدة التي تملك القرار في جنوب لبنان وفي معظم ارجائه، فدعمها السياسي والاقتصادي والمالي لحزب الله والذي يصل الى (100) مليون دولار سنوياً، يأتي من أجل تأمين موقع استراتيجي دولي وورقة رابحة خطيرة يمكن ان تلعبها في لبنان.
أتت حرب (تموز 2006) بقصف مدمر واسع على معظم المنشآت المدنية والاقتصادية في لبنان والتي كان للكويت الشقيق الأيادي البيضاء في اعادة بنائها. وقد ترافقت هذه الحرب العبثية في الوقت الذي كان ملف ايران النووي على رأس جدول أعمال القمة السنوية للدول الصناعية الثماني الكبرى ولمناقشة اهم القضايا الدولية في منطقة الشرق الأوسط.
والآن تجيء تصريحات المسؤولين الايرانيين لتعلن انه اذا تعرضت بلادهم لأي هجوم عسكري اميركي فان الرد سيكون في اي مكان ضد اميركا واسرائيل. وهذا يعتبر تلويحاً باستخدام ورقة حزب الله في لبنان لاثارة البلبلة والفوضى وخصوصا على الحدود الجنوبية مع اسرائيل حتى برغم وجود قوات الأمن الدولية (unifil) وبرغم محاذير القرار (1701) وما تلاه.
محاولة انتزاع سوريا من أحضان إيران
وفي محاولة لانتزاع سوريا من أحضان ايران وخصوصاً بعد توجيه اصابع الاتهام للمسؤولين السوريين بالتورط في مقتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومحاولتهم عرقلة المحكمة الدولية، وبعد المزيد من العزلة الدولية على سوريا بسبب دعمها لحزب الله ونشر الفوضى والتوتر الأمني من خلال اغتيالات عديدة لرجالات سياسة واعلام مناهضين لها، حيث وجهت بطريقة غير مباشرة اصابع الاتهام اليها. حاولت اميركا والدول الغربية من خلال مؤتمر انابوليس اظهار ايران على انها في موقع منفصل عن المنطقة العربية، وقد شاركت سوريا في المؤتمر برغم اعتراض حليفتها ايران، وأدرج ملف الجولان في المؤتمر بناء على طلب سوريا بجعله بنداً اساسياً لمشاركتها، وما كان الا ان اعلن ممثل سوريا في انابوليس اطلاق المفاوضات مع اسرائيل للذهاب مباشرة الى عملية السلام، علماً ان ايران كانت تريد من سوريا التصعيد في ذلك الوقت. وكلف وزير الخارجية الروسي "سلطانوف" لاحقاً بنقل رسائل بين دمشق واسرائيل في اطار مساعي وساطة روسية لمعاودة دفع المفاوضات في اتجاهين، في حين اعلن نجاد ان مؤتمر انابوليس كان فاشلاً، واعتبر ان اسرائيل آيلة للانهيار، وكانت ايران قد أخذت تعهداً من سوريا بجعل فترة الفراغ الرئاسي في لبنان بعد رحيل لحود فترة هادئة الى ان يتم انتخاب رئيس جديد للبنان.
انتخب، بعد مخاض عسير، الرئيس الجديد العماد ميشال سليمان وتشكلت حكومة جديدة برئاسة السنيورة بعد ان ذهبت كل الأقطاب السياسية المتصارعة الى قطر وتم الاتفاق على ما عرف باتفاق الدوحة. حصل ذلك كله في اثناء التقارب والانفتاح السوري اكثر وأكثر على الدول الغربية بعد عزلة طويلة رافقتها تشنجات خطيرة. ولعبت الدول الأوروبية وخصوصاً فرنسا دوراً مهماً في محاولة لجعل سوريا تقترب اكثر وأكثر من الغرب، وتمثل ذلك في زيارة الرئيس السوري بشار الأسد الى فرنسا ومن ثم القمة التي عقدت في دمشق بين الرئيس الفرنسي ساركوزي والسوري بشار الاسد والتي استهدفت ثلاثة انجازات هي:
1 ـ محاولة جعل سوريا وسيطاً بين ايران والغرب في الملف النووي الايراني من خلال كسر عزلتها الدبلوماسية.
2 ـ مصير ما يمكن ان يكون قد جرى من مفاوضات سرية بين تل ابيب ودمشق.
3 ـ مصير الأوضاع اللبنانية في ضوء القرار (1701( الذي لم يكتمل تنفيذه حتى الساعة.
في المقابل تعتبر ايران ان سوريا جزء لا يتجزأ من أمنها القومي وسيادتها الوطنية ما يوجب الدفاع عنها والحفاظ على التحالف الاستراتيجي معها سواء من طريق الدعم المالي والاقتصادي وجلب الرساميل والاستثمارات، أو من خلال منحها دوراً استراتيجياً واقليمياً في المنطقة.
فهل كانت الاغراءات الأوروبية أكبر وأكثر أهمية؟
من جهتها، تحاول سوريا حماية نفسها بحال تم اللجوء الى ضربة عسكرية استباقية لايران رداً على تحديها المجتمع الدولي ومجلس الأمن واندفاعها المستمر في برنامجها النووي رغم كل الجهود الدولية. فخوف سوريا من جرها الى اي نزاع مستقبلي بين ايران واسرائيل، ورغبة منها في الحصول على الحماية الروسية، قامت بتقديم عرض سخي للروس وهو جعل مينائها في (اللاذقية) تحت تصرفهم من أجل نشر اسطولهم البحري في المنطقة اسوة بانتشار الأسطول الأميركي في الخليج.
تأزم الملف النووي الايراني والتلويح باللجوء الى الحل العسكري
ان المناورات الحربية التي شاركت فيها قوات بحرية اميركية وبريطانية وفرنسية في المحيط الأطلسي، وتوجه هذه القوات المشتركة الى الخليج، ما هو الا محاولة لفرض نوع من الحصار على ايران. وتعد هذه القوة البحرية الأكبر والأوسع انتشاراً في مياه الخليج، هذا ما يدل على ان عملية المفاوضات في الملف النووي الايراني تبدو غير مثمرة. والذي يزيد الوضع خطورة انتشار بحري روسي مكثف في شرق البحر المتوسط، وهذا يعني ان الطائرات الحربية الروسية تستطيع ان تصل الى الخليج من جهة البحر. ويعتقد ان القوة الروسية تتألف مما لا يقل عن اثنتي عشرة بارجة وعدد كبير من الغواصات.
والواقع ان اللجوء الى الحل العسكري يهدد باضطراب شديد في المنطقة ويزيد في حدة انتشار المعارك. فالحرب ان اشتعلت في المنطقة سيكون لها نتائج وتأثيرات مدمرة في العالم وتوازناته، ومن أهم تداعياتها:
1 ـ نشوب حرب باتساع المنطقة كلها ما يعطل امدادات الطاقة والنفط من هذه المنطقة الى خارجها.
2 ـ دفع حزب الله في لبنان الموالي لايران، والذي يعلن انه اطاح برئيس الوزراء الاسرائيلي وهزم جيشه بعديده وعدته، الى شن هجمات على اسرائيل ما يعطيها مسوغاً لضرب لبنان ومنشآته وتدميره.
3 ـ دخول الحرس الثوري الى العراق.
4 ـ تنشيط الأعمال الارهابية في اوروبا واميركا وبعض الدول العربية.
5 ـ اقفال مضيق هرمز واصطياد ناقلات النفط والقطع العسكرية الغربية في مياه الخليج وبحر العرب وما تطاله الصواريخ الايرانية المتنوعة والمتطورة، واحتمال وقف ضخ النفط من الخليج برمته باستهداف آبار النفط وخطوط النقل.
6 ـ الهاب جبهة افغانستان ودول آسيا الوسطى وبحر قزوين بعمليات ارهابية واستهداف للمصالح والمواقع الدولية.
7 ـ اشعال الجبهات الفلسطينية والعراقية واللبنانية.
وغير ذلك من التداعيات التي ستضع المنطقة على فوهة بركان اضافة الى انها ستكون مدمرة تحصد ضحايا لا تحصى.
وبما ان الكويت، (حماها الله)، وسائر البلاد العربية، تقع على الطرف المواجه لمدخل الخليج ومضيق هرمز، فان مدينة الكويت لا تبعد اكثر من (60) ميلاً عن ايران ما يمنحها سبباً وجيهاً للقلق.
فالكويت التي تقع بين العراق وايران وفي موقع جغرافي حساس لا تحسد عليه على الطرف الشمالي للخليج العربي، من حقها ان تتدرب على خطتها الدفاعية لحرب الطوارئ، في وقت يتواجه فيه الأسطول الأميركي والأوروبي من جهة والأسطول الروسي من جهة أخرى.
(*) باحثة سياسية ومستشارة اعلامية

Competing Visions of International Order in the South China Sea

 الإثنين 29 تشرين الثاني 2021 - 3:49 م

Competing Visions of International Order in the South China Sea The disputes in the South China S… تتمة »

عدد الزيارات: 78,484,978

عدد الزوار: 2,002,020

المتواجدون الآن: 59