فلسطين في لبنان: سفارة "حق العودة"؟

تاريخ الإضافة الإثنين 15 كانون الأول 2008 - 12:56 م    عدد الزيارات 1044    التعليقات 0

        

انطوان سعد    

لا ريب في أن إقرار مجلس الوزراء التمثيل الديبلوماسي بين لبنان وفلسطين على مستوى سفارة، يؤكد على استراتيجية واضحة التزامتها الحكومة اللبنانية منذ العام 2005، وباركها فخامة الرئيس العماد ميشال سليمان وهي قائمة على تلاقي الشرعيتين ضمن المصالح المشتركة وانتهاج سبيل النضال لإحقاق قرارات الشرعية الدولية وعلى رأسها "حق العودة". ولا يجوز في هذا السياق التمييز بين مرجعية انسانية ومرجعية سياسية كما حاول البعض عن غير ذي وجه حق.
اذا كان للمبادىء الدولية وللاصول والاعراف الديبلوماسية ان تعمل على تأطير العلاقات وتحديدها بين بلد وآخر، فان ما يجمع لبنان بفلسطين، في عمقه التاريخي وتكامله الجغرافي، هو أبلغ تعبيراً وأوسع اطاراً مما تفرضه قوانين أو تحده معاهدات.
ولئن سادت علاقة الشعبين اللبناني والفلسطيني، في فترات عبرت، ارباكات من جراء ارتكابات مؤلمة ومأسوية أحياناً، فان ذلك لا يستطيع ان يمحو من الذاكرة اللبنانية صورة فلسطين الزاهية، وذاك التواصل الوثيق الذي وفرته المبادلات المختلفة بين الكثير من اللبنانيين وأبناء تلك الارض المقدسة في حيفا ويافا وعكا والناصرة وقرى الجليل الاعلى، بحيث تخطت الاتصالات مظاهر المصلحة والاعمال لتدخل الديموغرافيا في جوهر التعامل الانساني الذي عززته علاقات جوار ومصاهرة وانتماء مشترك.
ان واقع البلدين – على ما أصاب كلا منهما منذ أواسط القرن المنصرم – يلح عليهما مجدداً لاعادة تركيز العناصر التأسيسية لعلاقاتهما، وهي عناصر تتقاطع وتتآلف في أهدافها ومصالحها وتتعزز بالثقة المتجددة – والثقة أساس المواثيق – بغية النظر في اتجاه واحد لمواجهة المشترك من التحديات الآتية.
والحال ان القراءة الحاضرة لهذه العلاقة تحتاج الى تحسين وتحصين وتفتقد الى ذاك البريق الضروري رغم عمل دؤوب يتعهده المعنيون من هذا الجانب او ذاك. ولعل غياب سفارة فلسطينية في لبنان كان قبل القرار الأخير يشير الى هذا المنحى القيصري ويشير، في غياب التبريرات والاسباب الجوهرية المانعة لذلك، الى نيات مستترة نرجو الا تصب في الموقع المريب الذي يتخوف منه الكثيرون من اللبنانيين والفلسطينيين.
ففي وقت تقوم فيه سفارات فلسطينية في معظم الدول العربية، تحركها بعثات ديبلوماسية ناشطة يرئسها سفير، كان لا يزال في لبنان ممثلية لمنظمة التحرير الفلسطينية تفتقد الى مقومات سفارة تلعب دورها كاملا فتعكس النظرة الفلسطينية المكتملة والوحدة الفلسطينية المرجوة وتنقل صوت القضية والسلطة الى لبنان... ومن تحدث من لبنان سمعه كل العالم.
واذا كانت الاسباب السوسيو-تاريخية التي أشارت اليها هذه المقدمة تشجع على قيام سفارة فلسطينية في لبنان، فما الذي كان يحول دون ذلك؟ ربما السؤال متأخر لكن لا بد من الإطلالة عليه لنعتبر ونتعظ.
ينبغي مقاربة المسألة انطلاقاً من قراءة قانونية سريعة في ضوء المبادىء الدولية وأصول التمثيل الديبلوماسي، كما يقتضي الاستفادة من النماذج العربية القائمة والقابلة للتطبيق في لبنان.


اولا: قراءة في النصوص والمعاهدات

في مراجعة لوثائق الامم المتحدة، ومنها تلك المتعلقة بالقضية الفلسطينية مع القرارين 181 و194، وفي قراءة متأنية لمعاهدة فيينا حول العلاقات الديبلوماسية الموقعة في 18 نيسان 1961، وللمبادىء التي يثيرها علم الديبلوماسية تتأكد مسلمات وتتكشف نقاط منها:
-1 ان اختلاف الانظمة السياسية وانظمة الحكم والدساتير بين الدول لا يعطل علاقاتها الخارجية ولا يحول دون تعزيز علاقات الصداقة في ما بينها، ولا يقف هذا الاختلاف بالتالي عائقاً امام وجود بعثات ديبلوماسية تمثل البلد وتحمي مصالح أبنائه وتؤمن التفاوض والاستعلام وتعمل على تشجيع علاقات الصداقة وتطوير العلاقات الاقتصادية... فهذا جوهر العمل الديبلوماسي كما نصت عليه اتفاقية فيينا – في مقدمتها وفي المادة 3 منها – كما حدده علماء الديبلوماسية ومنهم العالم جينيه الذي اختصر وظائف الديبلوماسي بثلاث: الحماية والمفاوضة والمراقبة.
واذا كان الامر هكذا بالنسبة الى البلدان ذات الانظمة المختلفة فكيف والحال بالنسبة لبلدين متقاربين في نقاط كثيرة ومدعوين باستمرار الى مواجهة اخطار محدقة ودائمة؟
-2 من ناحية اخرى، واذا كانت معاهدة فيينا المشار اليها قد استفاضت في تبيان موجبات الدول المضيفة ولاسيما لناحية الضمانات والحصانات والامتيازات، فان هذه الموجبات قائمة عمليا من قبل الدولة اللبنانية تجاه الممثلية الفلسطينية العاملة في لبنان، وان التعامل معها يتم بدون التباس. كما أن عمل البعثة في لبنان لم يثر أي عَثار ولم يظهر أي تعثّر مما يعني أن الحالة الديبلوماسية قائمة واقعاً في جزء كبير منها وانما تفتقد الى الشكل الذي لا يقل أهمية وفائدة عن الجوهر.
-3 أما القول بأن عدم فتح السفارة عائد الى اشكالية الدولة الفلسطينية، دستورياً ودولياً، والى أن السلطة الحالية غير مكتملة العناصر، فهو قول تناقضه القواعد الاولية للقانون الدولي التي تعتبر أن عناصر الدولة الثلاثة تستكمل بوجود الشعب، والاقليم، والسلطة السياسية. وهي العناصر المتوافرة في الحالة الحاضرة بحيث ليس ما يحول دون تطبيق التحديد الذي يعطيه علماء القانون الدولي على واقع الكيان الفلسطيني، فالدولة "وحدة قانونية مستقلة عن أشخاص الممارسين للسلطة فيها، بالاضافة الى تمتعها بالدوام والاستقرار حيث لا تزول بزوال من يمارسون السلطة" (الدكتور ابرهيم
الشلبي، مبادئ القانون الدولي. بيروت 1985 - ص130).
-4 ففي الاعتراف الدولي وفي ما يثيره البعض من غبار يناسب اسرائيل نشير الى النظرية التي يقترحها الفقه ويؤكدها علم السياسة وهي التي تنطلق من الاقرار بالامر الواقع فتعتبر أنه بمجرد وجود هذه العناصر الثلاثة تكتسب الدولة شخصيتها القانونية الدولية لتعزيز وجودها، دونما حاجة الى اذن او اعتراف للانضمام الى الجماعة الدولية. ولنا من كوسوفو ومن سواها في التاريخ المعاصر والحديث حالات تعزز ذلك.
-5 أما اذا كان ذلك لا يكفي لدخول الدولة نطاق العلاقات الديبلوماسية بل ينبغي الاعتراف بها، فإن لهذا الشرط وجهين: سياسي وقانوني، ويمكن أن يكونا مترابطين او متكاملين. فالاعتراف عمل ارادي، وهو فعل اعلاني لا انشائي وإن ولادة او وجود دولة جديدة لا يتعلق اساساً بنيات الدول القائمة، فالدولة الجديدة هي التي تعلن عن واقع وجودها وليس المجتمع الدولي الذي لا يملك سلطة تقرير هذا الاعلان او هذا الاعتراف - وقد سلّم بذلك كل علماء السياسة وفي طليعتهم دان الذي اعتبر ان الاعتراف الدولي ليس ركناً او شرطاً رابعاً لقيام الدولة والا فإن مبدأ المساواة بين الدول يصبح معطلاً. وبالتالي فإن وجود الدولة السياسي مستقل عن اعتراف الدول الاخرى بها، على ما أكده ميثاق بوغوتا (1948) ووثيقة بيونس أيرس (1967).
-6 وعن اشكالية ومفهوم السيادة لا بد من الاشارة الى أن نظرية العالم السياسي فاتيل تنطبق على الوضع الفلسطيني اذ اعتبر أن كل أمة تحكم نفسها بنفسها دون تبعية لأية دولة أجنبية هي دولة سيدة، ويتلاقى مع هذه النظرية رأي العالم السياسي الآخر بودان الذي يعتبر أن الدولة السيدة هي التي تملك سلطة الامر والنهي دون أن تكون مأمورة ومكرهة من أي كان على الارض.
-7 تهدف هذه المقاومة الجدلية المقتضبة الى إزالة الالتباسات التي حملت البعض على التذرع بعدم اكتمال عناصر الدولة الفلسطينية أو غياب الاعتراف بها دولياً من أجل الطعن بأحقية تمثيلها الديبلوماسي على مستوى سفارة بدلاً من الممثلية، خاصة أنه ليس من تمييز علمي بين حق التمثيل الدائم وحق السفارة وهذا ما نستنتجه على الاقل من تحديد العالم جينيه الذي يعتبر هذا الحق مفتاح الديبلوماسية الذي بدونه ليس من علائق او صلات ممكنة بين الدول.
أما تحديد درجة وفئة البعثة الديبلوماسية فإنه يبقى مرهوناً بارادة الدول واتفاقها وبمبدأ المعاملة بالمثل - على ما ذكره الدكتور علي الشامي في مؤلفه المعروف (الديبلوماسية - بيروت 1994). وفي نهاية الامر، فإنه في غياب السبب العلمي لعدم وجود سفارة يبقى البحث في الخلفيات والعوامل السياسية.


ثانياً: في الواقع الفلسطيني - العربي

اذا كان للسفارة، لغة، معنى الرسالة او التوجّه الى القوم للتفاوض، واذا كان السفير - بحسب "لسان العرب" لابن منظور - هو الرسول والمصلح، فإن البلدان العربية قد أحسنت قراءة لغتها وفهمت وأفهمت الرأي العام العالمي بأن خلق سفارة فلسطينية على اراضيها هو أولاً رسالة الى الداخل، والخارج تحمل اعترافاً واقراراً وهو عودة الى العلاقة مع شعب عاش المعاناة ويعيشها، وارض لا تزال اختصاراً لطريق الجلجلة، وسيادة في بحث مستمر عن تركيز وتعزيز. ان النماذج العربية في التعامل مع فلسطين تؤكد ذلك:
- فأولى تلك الدول هي الجزائر التي شهدت أرضها عام 1988 اعلان استقلال فلسطين وقيام دولتها من قبل المجلس الوطني الفلسطيني. وقد اعتمدت الجمهورية الجزائرية مكتب منظمة التحرير الفلسطينية كسفارة رسمية للدولة الفلسطينية وعقدت معها اتفاقات وقدمت للشباب الفلسطيني منحاً وللطلاب العسكريين دعماً.
- وفي الاردن حيث تقوم علاقات تاريخية بين شعبي المملكة وفلسطين ارتقى التمثيل الديبلوماسي الفلسطيني الى مستوى سفارة وعقدت في ا طارها اتفاقات متعددة وذات اغراض مختلفة، كما قدمت مساعدات وتعززت علاقات ثقافية وتعليمية وقامت زيارات مستمرة بين البلدين.
- كذلك في المغرب التي اعترفت بالدولة الفلسطينية بعد اعلان الاستقلال في الجزائر عام 1988 واعتمدت مكتب منظمة التحرير الفلسطينية كسفارة رسمية لدولة فلسطين.
- أما المملكة العربية السعودية التي يعتبرها الفلسطينيون طليعة البلدان الداعمة لقضيتهم فإن التمثيل الديبلوماسي الفلسطيني فيها هو على مستوى سفارة ومقرها الرياض، وهناك قنصلية فلسطينية في جدّة. كما هناك عشرات المعاهدات والاتفاقات المبرمة بين الطرفين بالاضافة الى المساعدات المالية التي تقدمها المملكة الى السلطة الفلسطينية.
-واعترفت تونس بالدولة الفلسطينية منذ اعلانها من قبل المجلس الوطني الفلسطيني عام 1988 كما اعترفت بالسلطة الفلسطينية منذ قيامها عام 1994، وقد تم فتح مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية ثم اعتمد كسفارة رسمية لدولة فلسطين، تتمتع لدى الجمهورية التونسية بكل الامتيازات والحصانات الديبلوماسية المعروفة، وهي الامتيازات والحصانات ذاتها التي اعطيت للبعثة التونسية المعتمدة لدى السلطة الفلسطينية.
- اما مصر فقد اعترفت بدورها بالدولة الفلسطينية منذ 1988 واعتمدت مكتب منظمة التحرير الفلسطينية لديها كسفارة رسمية لدولة فلسطين، وبعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994 افتتحت مصر مكتب تمثيل لدى السلطة الفلسطينية ومستوى التمثيل الديبلوماسي الفلسطيني لدى مصر هو سفارة كاملة.
- ولا تقتصر النماذج على الدول العربية بل تتعداها الى بلدان اخرى مثل الهند وهي اول دولة غير عربية تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني حيث فتحت للمنظمة مكتبا تمثيلا في نيودلهي منذ 1975 واعطت امتيازات ديبلوماسية كاملة منذ شهر آذار 1980 ثم تحول المكتب الى سفارة لدولة فلسطين منذ تشرين الاول 1998 علما ان للهند مكتباً تمثيلياً في غزة منذ تموز 1995.
وفي نهاية هذه المطالعة عود على بدئها، وتذكير بأن المعطيات الجيو – سياسية التي حكمت وتحكم علاقات الشعبين والبلدين كانت عرضة للسقوط في تجارب مريرة رغم كل الدعم الذي قدمه لبنان للفلسطينيين منذ 1948 ولقضيتهم في العالم، وان هذه العلاقات تواجه اليوم تحديات جديدة وجدية وخطيرة، مما يلح على المعنيين بالتحسب والتحصن وتداركها قبل فوات الاوان.
يبدي ممثلو البلدين رغبة صادقة في التعلم من اخطاء الماضي، وللممثلية الفلسطينية في لبنان مواقف شجاعة ومشجعة في هذا المجال، تقابلها مبادرات واقعية وانسانية وسياسية وديبلوماسية وثقافية واعلامية للجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني... غير ان ما هو ابعدمن حسن النيات المتبادلة يكمن ليس في ما تخبئه المخيمات الفلسطينية، بل في ما يخبئه بعض المغرضين والمفتنين والمفبركين للارهاب، ولعل تجربة نهر البارد المشؤومة هي المثل والامثولة التي لا تحتاج الى اعادة شرح...
ان العلاقات اللبنانية – الفلسطينية تسير ببراءة وشفافية على درب محفوفة بالالغام والاسرار، ومخاطر التوطين بقدر ما تبقى مادة ابتزاز سياسية وحقيقة مصلتة فوق رؤوس الجميع، فهي تقتضي منا العمل على تعطيلها من خلال قرارات سيدة وسيادية وحرة ومتحررة من كل تدخل، وذلك بتعزيز التلاحم بين الشعبين – بل بين الشعب الواحد في كل بلد، اولا، واسفا – وبوضع رؤية موحدة يكون لدولتي لبنان وفلسطين القائمة بالقوة المبدئية واعتراف العالم دور اساسي في اعدادها ومتابعتها لدى اصحاب القرار ويكون للعمل الديبلوماسي قوة تمكنه من مواجهة التحديات والوصول الى الخواتيم المنشودة اقرار التمثيل الديبلوماسي لدولة فلسطين في لبنان على مستوى سفارة خطوة تأسيسية تدعم تشكيل لجنة الحوار اللبناني- الفلسطيني، والتي اوضحت رؤية الدولة اللبنانية في هذا الاطار منذ
العام 2005، ووافقت عليها هيئة الحوار الوطني عام 2006.

 
(استاذ جامعي - محام)

Competing Visions of International Order in the South China Sea

 الإثنين 29 تشرين الثاني 2021 - 3:49 م

Competing Visions of International Order in the South China Sea The disputes in the South China S… تتمة »

عدد الزيارات: 78,485,578

عدد الزوار: 2,002,025

المتواجدون الآن: 59